• ×
الجمعة 14 رجب 1442 | 07-13-1442
د. حمزة فايع الفتحي

حنايا قلم(٢٥) الإمامة الأولى...!

د. حمزة فايع الفتحي

 0  0  8.7K
د. حمزة فايع الفتحي

تصاعدت معه مباهج الاستقامة، وتفيأ ظلالَها، واستنشق عبيرها، حتى تعلقَ بها تعلق المحبين، وكما حصلت له كلمة أولى ومرتجلة، حصلت له قبلها تقريبا (أول إمامة) بالناس وفي صلاة جهرية،،،، وقبلها قد أمّ الناس في صلوات سرية، وهذه لا مَهرب ولا خوف منها،،،!
ولكن الخوف كل الخوف في الصلاة الجهرية، تصدر وتقدم، وعناية وتوقير، ومكانة واختيار...! ومع مبادي الاستقامة سنَحت فرصة الصلاة المغربية،
وتصدّرَ القومَ الإمامُ وشكلُه// في رِعدةٍ وفؤادُه كالمتعبِ

وأُقيمت الصلاة، ولم يوجد الشيخ علي أبو سراح،،،!
ولا نائبه الأول،،،،،!
ولا نائبه الثاني....!
ولا صاحبهم الثالث...!
ولا المؤذن ، ولا ذاك المتعاقد المتطرف شمالا...!
بقي هو ومجموعة شباب وعمال، والشيوخ المعروفون، وآخر شيخ كبير، تردد أن يصلي وأشار عليه بالتقدم،،،،!
وبرغم انتظاره لتلكم الساعة التاريخية، وأن يصبح إمام الناس في صلاة، وفي جامع كبير تلك الفترة، وحضوره ليس بالقليل،،،! فقد خالطه الوجَل، وساكنه الارتجاف، ،، تصبّب العرق تصببا، واختنقت الأنفاس، وأحس بمثل الورطة الكبيرة....!
ولكنها لم تحل دون استجماع الضبط الداخلي، وقراءة خواتيم الأحزاب، (( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا..)) مرتلة محسّنة محبّرة...! تحمل بصمات الشيخ علي جابر رحمه الله..
وبالركعة الأولى انزاحت الغمة، وتنفس الصعداء، وتهيأ للثانية كأحسن ما أنت راءٍ وسامع..!
وعلى إثرها تعرفت جماعة المسجد على فتى جديد، وصوت مختلف، مكنته بعد ذلك، وقد تبينت صحة تلاوته، أن يخلف الشيخ الإمام..
ووثِق الشيح أبو سراح بعد ذلك، وقد أدرك بعض الصلوات فسمع واستجاد، وأتاح له كثيرا الإمامة، ولطبيعة عمله كمأذون شرعي وحضوره للمناسبات الاجتماعية، فقد خلفه كثيرا في غيابه، ووُفق في المراجعة القرآنية، وغنم مغانم متنوعة، وذاك من فضل الواحد الأحد... واتفق له ذلك حيث انتقال الشيخ حسين حسن لحيه الجديد، وأخيه الشيخ عبدالله للدراسة في جدة...! فكانت فرصة للتعلم والتدريب الدعوي ...
ويذكر من التوفيق الإلهي أيضا، خطبته كأول خطبة افتتحها في حياته وكانت عن (التحذير من الشيطان)، التمس معانيها من بعض مشايخ الحرم، وزاد عليها من كتب خطابة يملكها مبكرا،،،!
وحضرها الشيوخ عبدالله فلقي ومحمد حسن يوسف وأخوه عبدالله وغيرهم من الزملاء، وألقت دويا، ووُفق في عرضها واستهلالها،،، ويذكر استفادته ذاك من كلمات رائعات للعلامة ابن القيم رحمه الله في كتابه النفيس( الوابل الصيّب )، صلحت أن تكون مستهلا للخطبة، وأرشده لها أخوه عبدالله ومنها(.... يسأله من في السموات والأرض كلَّ يوم هو في شأن ) يغفر ذنبا ويفرج هما، ويكشف كربا، ويجبر كسيرا ويغني فقيرا، ويعلم جاهلا، ويهدي ضالا ، ويرشد حيران، ويغيث لهفان، ويفك عانيا، ويشبع جائعا، ويكسو عاريا، ويشفي مريضا، ويعافي مبتلى، ويقبل تائبا...الخ
ولا ارتيابِ أن حسن توجيه بعض الإخوة الكبار وبعض مشايخنا كان له أطيب الأثر على ذلك الفتى،،،!
فلا ينسى مثلا توجيه أخيه الشيخ عبدالله ودعمه للمسار العلمي، والمشايخ الأجلة حسين حسن والأخوين الفلقيين حفظهم الله، وبعض الأكابر في المنطقة كالشيخ فيصل آل مخالد والشيخ علي أبو سراح، وثمة معلمون حركوا العزائم وشحذوا الهمم من أمثال: الأستاذ محمد مشعل، وأحمد سليمان وسمير مباشر، وكثير منهم في الجامعة كما سيأتي موضعه،،،،! ومثل تلك المواقف الجماهيرية والتصدرية، كثيرا ما يدفعها الأساتذة الأكابر والشيوخ الأماثل، فيثيرون المكامن، ويسترون المعايب، ويكون لتوجيهاتهم أعظم الأثر تحريكا وتنشيطا....
وفِي الشيخِ بعد الله وعيٌ وحكمةٌ// وفيه مسارات ورأي وكوكبُ

وكانت تلك الإمامة سببا للقيادة الدعوية، وتولي مهام المسجد والقيام عليه، وتضايق ابتداءً بعض كبار السن، وأحسوا بالمزاحمة، وما هي إلا مدة وجيزة، بارك الله ثباتها، حتى استطاع فرض شخصيته، والبدء في القراءة من كتاب وتعليم أهل الحي، وتولي الخطابة من الإمام وفقه الله عند الظروف المصاحبة، وحثت على المشاركة المنبرية في جوامع أخرى لا سيما في فترة الكلية..!
وليعلم شبابُنا الأعزاء أن ذلك تم بعد توفيق الله بجهد ذاتي وتوجيه مشيخي، فليس ثمة حلقات ولا رعاية للعمل الخيري والدعوي، فكل ذلك كان شبه معدوم.... ولم تظهر هذه الثقافة في محايل وتهامة، ولكنها كانت في المدن الكبرى، واستعضنا عنها بالشريط حفظا واستماعا، حتى تم إتقان القرآن وحفظ ما تيسر منه،،،،!
ويذكر حينما توجه (للكلية الأمنية) كان يحفظ ثلاثة أجزاء فقط، ثم لما عاد وظفر براحة فصل دراسي، ووضع في غير مراده، ضاعف من الحفظ، وحرضه بعض الشباب الكبار في المنطقة، فأدمن سماع الشيخ علي جابر رحمه الله، فحفظ طرفا من البقرة وجزء الحجر والنحل، وكانت قراءة الشيخ فيها لذيذة عجيبة، فكررها حتى ضبطها، والتصق كثيرا بالشريط الإسلامي قرآنا ودروسا، حتى استفاد منها فوائد باهرة، كان لها عظيم الفائدة والعائدة .
وفي هذا العصر تيسرت السبل ودنت الفوائد، وباتت الموانح بين أيدي الطلاب، ولا يليق بهم تجاوزها وتضييع ما يسره الله لهم(( وأَسْبَغ عليكم نعمه ظاهرة وبَاطِنَة )) سورة لقمان .
وإن كان الترف والإرفاه قد اشتهر أنه يوهن الهمم، والفقر والشدائد يضاعفها أو يبعثها من العدم، وهذا المعنى مستفيض عند السلف رحمهم الله...
ويذكر هنا المناظرة الطريفة بين الإمامين الباجي وابن حزم رحمهما الله تعالى، فقد تناظرا يوما، فظهر ابن حزم على الباجي ،فقال له الباجي كالمعتذر بالفقر والحاجة المانعة من تمام التحصيل (اعذرني فقد كانت مطالعاتي على سُرج الحراس )!فقال له ابن حزم ( بل أنا أحق بالعذر ،فإن أكثر مطالعتي كانت على منائر الذهب ) ! أراد أن الغنى أدعى إلى ترك التحصيل العلمي، وطلب الإرفاه ....وقد قال الشاعر:
إن الشباب والفراغَ والجِدَة// مفسدةٌ للمرء أي مفسدةْ
والجِدَة بالكسر ففتح هي: الغنى والرفاهية .
وباتفاق العقلاء وذوي التجريب أن المال الطاغي والبيئة المترفة حائلة دون التعلم والصبر على المشاق، وحبس النفس على الحفظِ والإصرار واستدامة الطريق، ولذلك شاعت وشعت كلماتهم بتفضيل الفقر على الغنى، ومن ذلك:
قول مالك رحمه الله( إن هذا الأمر لن ينال، حتى يُذاق فيه طعمُ الفقر).
وقال الشافعي رحمه الله: ( لا يطلبٌ أحد هذا العلم بالملك وعز النفس، فيُفلح، ولكن من طلبه بذلةِ النفس، وضيقِ العيش، وخدمة العلم، وتواضع النفس أفلح ).
وقال أحمد بن حنبل رحمه الله: ( الصبر على الفقر مرتبة لا ينالها إلا الأكابر، والفقر أشرف من الغنى، ولا أعدِلُ بفضل الفقر شيئا ).
وقال النضر بن شُميل رحمه الله( لا يصير الرجل عالما حتى يجوع وينسى جوعه ).
وما ألطفَ قول بعضهم وأظرفه :
قلتُ للفقر: أين أنت مقيمٌ// قال : فى عمائم الفقهاء؟!
إنّ بينى وبينهم لإخاءً// وعزيزٌ عليَّ قطعُ الإخاء!

والمقصد من هذا الاستطراد لأبنائي الطلاب أن ما تيسر لهم من وسائل تذلل الصعاب لم يكن متاحا قبل نحو ربع قرن، فلا موسوعات ولا كمبيوترات ولا حِلق ولا محاضن،،،! واستثمار هذه النعم وسؤال الله البركة فيها وحفظها مما يجب ويتحتم،(( وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تُحصوها)) سورة إبراهيم.
لا سيما مَن هداه الله وحماه من غوائل الترف والله الموفق.
وكاد أن يحصل- أيام الصحوة الإسلامية، ويقظة التدين- تماس بين الشيوخ والشباب، ولم يكونوا يحبوا تصدر الشباب وإمامتهم إلا من وجد صلة، أو حظوة تشفع له،...! واستطاع جماهير الشباب فرض مسالكهم، بطيبة الخُلق وخدماتهم في المساجد، فلانَ التعامل، وانحلت المشكلة،،!
وفِي أزماننا هذه تبدلت الأحوال بفضل سَعة العلم والمعارف، وبتنا نشاهد الأئمة الشباب والأئمة الصغار، وتقديمهم في المحافل، وهو مما يشرح النفوس وتطيب به الخواطر، ولله الحمد والمنة، وشوهد الأطفال في بلدان مختلفة، وبلاد العجم، وهم يقدَّمون في التراويح وغيرها وحُفظت بأشرطة الفيديو، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ،،!
وهنا معلم لانتشار هذا الدين، وأن إمامة الصلاة سبب في ذلك، وأن منح الشباب والفتيان الثقة بالإمامة والخطابة، إذا توفرت دواعيها من مهمات التربية الجادة والموضوعية، فلا مكان للإقصاء أو الاستبداد الذي أضر بالدعوة والإصلاح الاجتماعي كثيرا، والله المستعان.
وفي صحيح البخاري أمّ عمرو بن سلمة الجَرمي قومه وعمره سبع سنين، وقد حصل ذلك في عصر النبوة، ويبعد عدم اطلاع رسول الله على ذلك، والله الموفق.
ويؤلمك أن بعض شبابنا ينتابه التردد أو الخجل، ويلوح دائما بكثرة الاعتذار، فيحرم نفسه ثَوَابا جزيلا، ومنزلة سامية (( واجعلنا للمتقين إماما )) سورة الفرقان . مما قد يسبب في تصدر من ليس اهلا لذلك، فيقع الخلل، ونتورط في الجهالات،،،! وليعلم شبابُنا وأبناؤنا أن الإمامة شرف ومنزلة، وعلم وتجدد، ودعوة وتأثير، وزعامة وإصلاح ، والواجب ابتدارها اذا سنحت وطابت، لا سيما وتأثيراتها ظاهرة، وعوائدها الغراء واضحة العيان ، وفيها من مكامن الخير والبناء ما لا ينكره لبيب، ولكن ضعف الشخصية وضعف التوجيه، وإهمال البناء الدعوي والاستراتيجي، يصنع مثل ذلك العزوف والتردد...!
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل...


 0  0
التعليقات ( 0 )
أكثر

استطلاع رأي

ما هو رأيك في الشكل الجديد لصحيفة محايل ؟

استطلاعات سابقة

للمشاركة والمتابعة

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:45 مساءً الجمعة 14 رجب 1442.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة محايل - حاصلة على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام