• ×
الأربعاء 9 رمضان 1442 | 09-07-1442
د. حمزة فايع الفتحي

ورقات رمضانية (٥) سُفرهم والسعادة...

د. حمزة فايع الفتحي

 0  0  4.7K
د. حمزة فايع الفتحي

ورقات رمضانية (٥)
سُفرهم والسعادة...!

يفرح الصائم إذا دنت ساعة الإفطار وبدا الليل يغشانا ظلامه، ويُدبر النهار، حيث تتهلل الوجوه وتتسع الفرحة كما قال في الحديث عليه الصلاة والسلام: (( للصائم فرحتان : فرحة عند فطره...)) وتشاهد هذه الفرحة في وجوه الناس من بعد العصر، وتقريبهم للأطعمة....
يا سفرةَ الصوم هزّي الضيم والتعبا// وأنشدي الطيب والأنغام والذهبا

ومن حلاوة ومضان أنه شهر السعادة فيورث الحب والتقارب ومع القلة والضعف يتعاون الجميع، وينصرون السرور على بعضهم، وكما قال بعض الحكماء ( كل شيء ينقص إذا قسمناه على اثنين، إلّا السعادة فإنها تزيد) .
وكانت سُفر الناس وموائدهم متواضعة في الزمن السابق، ليس التفاخر والتنافس المذموم هذه الأيام، فتشاهد أطباقا محدودة، وسفرا فقيرة، وصحوناً عادية، ولكن السعادة تحيط بها من كل مكان والبهجة تتقاطر عليها، والسرور قد توّج صغارهم وكبارهم، وكان غالبها يشترى من السوق والبساطية الشعبية،،،،! هذا في أيامنا والذين من قبلنا لم يكن ثمة مطاعم فكان طبخهم في بيوتهم، وهو نزر محدود،،،! وصنف وصنفان...!!
وعرفت محايل بسوق السبت التاريخي، الضارب في التاريخ التهامي، وفيه المطعومات وبعض الأدوات الشعبية، والحنيذ ثم الفاكهة والخضار وأنواع الحبوب والثمار، وبجانبه تنصب مطعومات رمضان الشهية على قلتها وبساطتها....! ومن أشهرها سنبوسة رمضان، وبعضُ البيوت تعدها في فناء الدار، أو ما يسمى بالصبولة، مثل الكوخ الصغير المفتوح، وكان الأهالي يرسلوننا عصرا قبل نفادها،،،! وهي عرس السفرة الرمضانية آنذاك ...!
والآن سُفرات مبالغ فيها، وتصوير وأضرار، وإسراف وتحدٍ، وكسر لقلوب فقراء العالم ،،، وأشياء تنذر بالخطر،،،، ولكأنهم لا يشاهدون الجوعى والمشردين في عالمنا الإسلامي،،،،!!
ومع تلكم البساطة والمكونة من أصناف معدودة، لا تجد الترف الشائع، وتلقَى السعادة الغامرة، والسرور المتلألئ،،،!
وأصنافها كانت تمراً وماء، وخبزا ولبنا، وسمبوسة وشوربة،،، وبعض الإيدامات،، وشيء من الحلو الخفيف، أو شراب التوت المشهور...!
وكان الماء ساخنا ويبرد من خلال الأزيار والجرار الفخارية،،،
وفِي رمضان تأتي قوالب الثلج، وأذكر أن الكيلو( ٥ ريال ) تقريبا سنة ٩٩، ٩٨ ، هجريا، ويُشترى لها الحافظات والترامس الخاصة كما يقال،،،،،!!
وكان الجيران يتهادون الطعام، وحالة الفقر عامة، ولا يوجد سفر المساجد ولا شبهها،،،،!
ولكن الأنس حاضر، والناس في مدائن الانشراح،،،،!
والآن فُتح على الناس من الدنيا ما فتح، وعمّت الخيرات وأَسْبَغ الله النعم الظاهرة والباطنة، ولكن للأسف، ظهر الإسراف، وتجلى المترفون، واستعمل المرء أكثر من حاجته، وتفاخر الناس، وكُسرت قلوب الفقراء، وبات بعضهم يصور بطريقة جنونية، ويشكر زوجته وبناته على جهدهم الجهيد في مطبخ اليوم...! -ولا بأس من شكرهم- ، ولكنه تجاوز الحد، وباتت دراما تفاخرية استعلائية ترَفية،،،،!ونرى أن ذلك ليس بالحسن لعدة أمور واعتبارات :
أولا: أنه بهجة في وسط مأساة يتعرض لها إخواننا، وثمة بلدان يأكلون الفقر أو أكلهم واجتاحتهم المسغبة من كل مكان، وما أحلا وأشقَّ ما قاله بعضهم لا تصورا موائدكم فهناك جياع وهناك محرومون )،،،! والأعجب الأنكى أنهم يشاهدونها مع تلكم الجوالات، ويظن البله أنها لا تصلهم،،،!
ثانيا: قد بولغ في ذاك إلى درجة السَرف والمفاخرة، وعدم تقدير النعم، وجرّت إلى كسر قلوب الجيران، فضلا عن فقراء الشام والعراق وفلسطين وغيرها،،، ! فكيف لعاقل أن يتعود ذاك أيام رمضان،،، ولا يحس بإخوانه المنكوبين،،،؟!
ثالثا: استدلالهم بآية ( وأما بنعمة ربك فحدث )) وضع في غير محله ولم يُراع سياقه، من عدم تجريح المساكين، أو إظهار التعالي وفيها من الفتن والأضرار أشد مما لو ترك، والله المستعان.
وفِي سُفر زمان كانت الكهرباء معدومة ونستقبل المساء بفوانيس، وأفضلنا من يملك( الأتاريك ) سرج قوية الإضاءة...
ولجلاء النهار نفطر أحيانا بلا فانوس، أو على شاشات التلفاز الأبيض والأسود، ولم يكن ثمة شغالات، فالبيت كله يعمل،،،! الأب يحضر من الخارج ببعض الأغراض والنساء في البيوت للشوربة والمهلبية، والأطفال يمدون السفر بالخبز والملحم ( السمبوسة ) واللحوح الجيزاني الجميل،،،،
سفرة في غاية التواضع والبساطة، ولكنه تفوح برائحة الجهد والتعب والتلذذ والارتياح،،،،!
ويحكي الآباء قبلنا صورا مؤسفة من الجوع وانعدام فطور الصائم، او اعتماده على نزر يسير، فلله الحمد والمنة (( وآتاكم من كل ما سالتموه وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها، إن الإنسان لَظَلُوم كفار )) سورة إبراهيم .
فالسفرة متواضعة والسوق بسيط، والناس قلائل، ومتآلفون،، خلافا للوضع الحالي واتساع النعم..!
ولانعدام الكهرباء ليس ثمة سهر طويل، وحدّنا إلى بعد العشاء وصلاة التراويح، وإن وُجد (دكان مُضاء) ، جلسنا لديه ساعات ثم انصرفنا إلى النوم، وكأطفال لا نستطيع السمر ومتابعة التلفاز، ولذا ننام، ونقوّم أو نوقظ للسحور، الذي هو بقايا الفطور المسخن، وربما قامت أمهاتنا بصناعة الكبسة المعروفة، وأحيانا الرز وطبق سلطة فقط،،،،! والمهم أن لا يفوتك شرب الماء على أسوأ الاحتمالات....!
فنقوم سحرا والبيت أسود مُجهم، لا يبعث على الارتياح، وتبحث لك عن فانوس لتشرب أو تتجه للحمام،، والأجواء ساكنة لا تكاد تسمع بيتا مستيقظا،،،،! ومن الطريف يُسمع تشويش التلفاز لدى البيوت المتلاصقة وكانت كثيرة في السابق، فتعرف أن أبناءهم ناموا والتلفاز شغال،،،!!
وأذكر أن التلفاز المحلي كان يختم بدرس الشيخ الشعراوي رحمه الله،،، وما كان يشاهده إلا كبار السن والعجزة، وهذا تقريبا الواحدة مساء أو الثانية والنصف...!
وحتى التلفزيون كان لطيفا إلى حد ما، يراعي ظروف الناس أو لا يجهد أن يبث طوال اليوم لضعف الإمكانيات،،،،،!!! وضيفه الشرعي على الدوام الشيخ الأديب الطنطاوي رحمه الله، ونذكره ونحن صبية، ولكننا لا نلقي بالا لكلامه وبرنامجه( نور وهداية ).
وكانت البيوت في غالبها شعبية، وقريب منها زرائب الدواب، وتطوف علينا القطط حين الإفطار، أو شم رائحة الطعام، ولا تضجر أو غضاضة من ذاك كله،،،! ولو خُير المرء بين تلك وهذه ، لاختار البساطة القديمة، والبذاذة الساكنة، والتي تنمحي فيها قيم المدنية المتعالية، والله يصلح حالنا ويحسن ختامنا،،،،،!
١٤٣٨/٩/٣


 0  0
التعليقات ( 0 )
أكثر

استطلاع رأي

ما هو رأيك في الشكل الجديد لصحيفة محايل ؟

استطلاعات سابقة

للمشاركة والمتابعة

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:41 صباحاً الأربعاء 9 رمضان 1442.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة محايل - حاصلة على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام