• ×
الجمعة 11 رمضان 1442 | 09-07-1442
أ.عبدالله المحسني

شارع الشهداء الآخر ..

أ.عبدالله المحسني

 1  0  6.6K
أ.عبدالله المحسني

شارع الشهداء الآخر ..

  • إلى أرواح الشهداء الذين قضوا نحبهم في ساحة - رعلة- الشرسة إذ لم يكن أمامهم خيار آخر غيرها ..
  • إلى رعلة التي لا تنبه أحدا أنها تختصر حياته في لحظة ، و قبل أن يكتمل حلمه ..


    تبدو مفردة - شهيد - ملهمة إلى حد كبير ..

    يختلف الشارع هنا ؛ فهو لا يضم صورا علنية لشهدائه ، لكننا نختزل صورهم في رؤوسنا ، حتى إذا ما عبرنا هذا الشارع تساقطت منها في كل مكان .. هنا مات فلان فورا ، وهنا بقيت آثار دم فلان أياما ، وهناك أطلق القدر القناص رصاصات على فلان وفلان فغير مسارهم للآخرة بدلا من الذهاب إلى أهلهم الذين هم في انتظارهم .. يختلف الشارع هنا فهو حقيقي ودائم ، ولم يعلق عليه لافتة تحمل اسم - شارع الشهداء - . وليس على أطرافه جنائز معلقة يبكي أمامها الآباء ، والأصدقاء ، وينحنون تقديرا لها .. الشارع هنا يعبره الأصدقاء ، والآباء بحذر كبير خشية أن يكون الموت لازال في المكان ..!!
    لا حاجة للتعريف بطريق - رعلة - القصير ، فهو في حقيقته شارع يؤدي إلى الآخرة لا يتجاوز بعض الكيلو مترات القاتلة .. شارع لا أكثر ، لكنه يبدو طويلا جدا في ذاكرة من فقد أحبابه فيه .. هذا الشارع لا نهاية له ، وستبقى الذكريات سائرة عبره حتى تصطدم بالموت هي الأخرى ..!!

  • إذا أردنا أن نخوف أبناءنا الصغار بشيء لكي ينصاعوا لأوامرنا ، فلنذكر لهم فقط اسم - رعلة - إنها مكان مناسب جدا ليكون معتقلا ، أو سجنا سياسيا .. لازلت مؤمنا جدا بفكرة أنها كانت - محبسا للجن - حتى فتحنا عنهم الأبواب ، وحللنا السلاسل التي كانت في أعناقهم .. الجن الآن هناك في حرية أكبر من أي مكان آخر على هذه الأرض ، فهي تشرب دماء المارة كل يوم ، وترقص على أبواق السيارات التي تخوض الحرب في ساحتها ..لقد وفرنا لها مسرحا هائلا تحت ضوء الشمس ، وفي ليالي القمر التي لا توقد النار فيها ..!!
    ما من حاجة لأن أذكر هنا إحصائية شهداء - رعلة - ، فهم بكل تأكيد أكثر من 83 ، أو حتى 500 مئة ، ولا تزال القائمة في ازدياد ..المحزن أننا صرنا نتوقع المزيد من الشهداء ، وكلما وردنا نبأ جديد عن شهيد قلنا : إن رعلة قد تسببت بذلك ..فالحرب لا تنتقل من ساحتها ، وهي هناك أكثر شراسة من أي مكان آخر ..!! يأتي المسافرون من مكان بعيد حتى إذا ما دخلوا في ساحتها سمعوا لها تغيظا وهي تفور .. هناك تتوقف فعالية أدعية السفر تماما ، ويبدأ العمل على أذكار الحروب ، والشهادتين ..!!
  • اعتقد أن هذه الساحة ستلزمني بالمشاركة فيها ذات ليلة ، وقد تكون في منتصف الشهر إياكم أن لا تنسوا ذلك - .. فشهداء قنا في كل الحروب ، وكل الطرق الطويلة في هذا الوطن أقل عددا بكثير من ضحايا هذه المساحة الصغيرة .. لقد قلت بأن المسافرين يأتون من مكان بعيد ، ثم ينطقون الشهادة الأخيرة في رعلة .. إنها تشبه كل الأشياء السيئة التي لانحبها في الحياة ، فهي العنايات المركزة النظيفة المسورة بالزجاج ، لكن في داخلها النهاية تحت الوسائد البيضاء ، وفي قفازات العاملين على الموت ..!! إنها تشبه كل شيء لا قيمة له ، ولا عمل له إلا أن يأخذ من الحياة الفرح والأحبة .. سيعتقد الذين لايعرفون رعلة ، ولم يسبق أن استشهد لهم أحد في هذه الساحة غير المباركة أنني أبالغ جدا في هذا الوصف ..!!
  • إنني على استعداد لتأليف كتاب كامل عن هذه السيدة القبيحة جدا ، فهي كل يوم تزداد قبحا وسوءا ، لكني سأختصر الحديث ، فهذه الرعلة المهلكة لا يجدي الكلام معها نفعا ، ولا التهديد ، والحل الوحيد لها ليس سرا ، ويعرفه الجميع - إنه العمل عليها بإتقان وأمانة -
    لقد اقترحت ذات مرة كما يفعل الثوار بأن نغلقها ، ونضرب عن السير معها لمدة لا تقل عن مئة عام ، ثم اقترح آخر أن تقل إلى يومين في الأسبوع فلعل هذين اليومين تحرك شيئا في أولئك الذين يدعون بأنهم لايعرفون عنها شيئا .. في رعلة لا تتعثر بغلة ؛ إنما يتعثر الشباب ، و العجائز، والنساء ، والأطفال ، ولا أحد يخشى أن يسأله الله عن كل أولئك .. !! الطريق إلى رعلة ليست صعبة للغاية ، وليست بعيدة ، وبإمكان أي مسؤول أن يخرج إليها في الوقت الذي يناسبه دون أن يستأذن منها ، أو يطلب منها موعد .. ثم أنها في مكانها ، ولاتذهب في الغالب إلى أي مكان .. !!
    وحتى هذه اللحظة لا أعلم من سيسأله الله عنها ، وعن تلك الأرواح التي تزهق على طريقها المعبدة ، وبين أوديتها الصغيرة .
    كل ما أعرفه أن هناك شخصا واحدا سيتعب كثيرا من أسئلة الله ، ولن يجد لها أجوبة مقنعة .. وكل ما أعرفه أن للجميع جزء من المسؤولية في تلك القضية .. أما أنا فحين يسألني الله فسأحمل معي هذا المقال ، وكل ما سبقه من مقالات عنها ، وسأقول له: إن هذا ما استطعته يا الله .. وأخبره أن هناك من كان يستطيع أكثر ، لكنه لم يفعل ، وهو مع كل هذا يسبحك كثيرا ، ويحمدك كثيرا ،
    رعلة .. تحد كبير ؛ إنها الصراط الغير مستقيم؛ فالعبور منها ليس أمرا سهلا كما يتصور البعض كل حسب عمله .. الغريب إن الكثير ممن وقعوا فيها أعمالهم صالحة ..!!
    لم يعد لدينا المزيد من الوقت للتفكير ، ويبدو أننا سلمنا الأمر رغم أننا لم نبذل قبله الجهد الكافي ... سأترك لكم ذكر الأسماء المسؤولة عن هذه الساحة الحربية ، ولا يلقي أحد باللوم على غيرهم ، ودعوا الأقدار وشأنها ، فهي ليست كل شيء ..
    رعلة قنا هي شارع الشهداء الآخر ، وهي الشارع الذي لم يعره أحد اهتماما منذ أن استعرت فيه الحرب.. ولم يعلق أحدا صور ضحاياها على اطرافها كما صنعوا الغير .. رعلة تملؤنا بالخوف والهلع والذكريات التي نعبر من عليها صباح مساء .. رعلة تفسد سكينة قنا ، وهدوءها وروحانيتها وجمالها .. !!
    ما رأيكم أن نذهب إليها ذات صباح ، وقبل أن تستيقظ الجن ، ونحملها من مكانها إلى مكان آخر ؟ أو أن نحملها ونلقي بها على ظهر ذلك المسؤول ، فهو من استعد منذ البداية بحملها ؟ أو نأخذها في نزهة إلى مكان عال ، ونلقي بها من مكان سحيق ؟
    إننا نرغب التخلص من هذه الآفة الضارة التي تبعث الشؤم والموت المفاجئ ، إنها عمل غير فاضل ، ولا تنسجم مع الطيبين الذين يستخدمونها ليشهدوا منافع لهم .
    الزمن سريع جدا ؛ وكل انتظار يعني مزيدا من الشهداء في هذا المكان البائس .. فمن أراد أن يسهل الله له طريقا إلى الجنة ؛ فليتق الله ربه ، وليضرب بعصاه على هذه الطريق ..!!


  • اعتذر من كل من قرأ ما سبق وتسببت له بألم ، إذ ذكرته بما يريد نسيانه ، لكني أنا الآخر كذلك ، فقد فقدت أيضا العديد من الأحباب هناك ، كما أني شبه متأكد أننا سنفقد في الأيام القادمة آخرين أيضا .. أما ما أنا على يقين منه أيضا : أن نهاية مسرحية الحياة بالنسبة لي ستكون على ذلك المسرح اللعين ، ولن يصفق أحد للختام ..!!

    عبدالله المحسني
    1 فبراير
    2017

 1  0
التعليقات ( 1 )
الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    حسين كشاف 05-05-1438 01:36 صباحاً

    الى محافظ محائل مع التحيه ..

أكثر

استطلاع رأي

ما هو رأيك في الشكل الجديد لصحيفة محايل ؟

استطلاعات سابقة

للمشاركة والمتابعة

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 08:47 صباحاً الجمعة 11 رمضان 1442.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة محايل - حاصلة على ترخيص وزارة الثقافة والإعلام