• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 02:56 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016 | آخر تحديث: منذ 6 ساعة

أ.عبدالله المحسني

الوطن في عناية الله

أ.عبدالله المحسني

 0  0  769
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إن كنت تقرأ لتعرف النهاية فلا تتعب نفسك وأبدأ من حيث أردت أن تعرف
إن كنت تقرأ لتتأمل، وتفكر فاستعن بالله فما هو بقول شيطان رجيم
لستُ في حاجة إلى الاستماع للنصائح المثلجة فأنا اشتكي من التهاب حاد في حنجرتي ، وعقلي أيضا.


- لا تقلقوا ..
فالوطن في عناية الله العظمى


في الحقيقة أود كتابة شيء ما ، لكنه يجيء ككتلة كبيرة من الضوء فتسد علي منافذ عيوني .. كتلة من الضوء ليس لها حجم معين . إنها تبدو كالأرض ، أو ربما هي كإحدى السموات . ليس عقاباً حين يقع الضوء على عيني إنما هكذا أتى ومعه كل هذا فهي فرصة سانحة لالتقاط صورة له .. من الجدير بنا جميعا أن نكتب شيئاً كبيراً عن الوطن ، وعن ضوئه الذي يملأ الأفاق.
لقد أخبرني صحبي القدامى بأن الكتابة عن وطن كهذا أمر شاق ليس كما يتصورون ، لكنني أرغب في محاولة ذلك في الدنيا، وفي الأخرة لربما يشكرني الله على ما صنعت . إن الأوطان التي كهذه ستدخل الجنة بلا حساب ، أو عقاب وقد تصطحبنا معها .. هذا ما اعتقده.!
أراد الله لنا مكاناً جيداً هنا.. مكاناً لائقاً .. أراد لنا هذا كله .. المكان الذي يحتوي على كل شيء بهيج ليس صدفة ، أو جزءاً من الانفجار العظيم الذي أوقده الله .. إنما كان قدراً جميلاً . أليس من الجيد أن نرث الأرض التي استوطنها – محمدصلى الله عليه وسلم - ؟ الأمر يشبه قصص الخيال التي يمضي منها الأبطال ، وتبقى في الذاكرة .. لم نكن نتمنى شيئاً كهذا لكن الله يعرف أننا نستحق كل ذلك .. لطالما عبرت من هنا ، وهناك القداسات السماوية .. كان – محمد صلى الله عليه وسلم - هنا يمسح بقدميه على الأرض
فتنبت الصلاح ، والهدايات ، والنعيم . لقد كان يرغب الصفاء ، والسلام ، والرضا .. أترى ذاك النبي كان يعلم أننا من القوم الذين سنمكث هنا زمناً للعبادة ، وأننا لا نرتكب الأخطاء التي تغضب الأرض وربها ؟ إن زماننا يشترك ، وذاك الزمان فنحن نلبي للجنة كما قد فعلوا تماماً، ونرفع أصواتنا صوب المكان البعيد الذي يجتمعون فيه .
لقد اعتمدنا على الله في كثير من أمورنا .
كلما اطلعت على التراب الذي في روحي وجدته لا يزال كما هو بلونه المختلف الذي يميل إلى الخلقة الأولى .. مؤكد أن الله قد خلق الناس جميعاً من تراب هذا الوطن.. -
- حبذا أن لا يكذبني أحد فقد رأيتُ مناماً عظيماً أخبرني بشيء من ذلك -
- سأعيد صياغة هذه الكلمات السابقة وأحلامي لمن لا يفهم ما أعنيه .. لا بأس أعدكم بذلك ، ولكن ليس الآن -
كلما مرت الأوطان في أعين ساكنيها تُعجب بعضهم ، وقد يشغلهما بطائر في السماء ، أو مشهد نمل يأوي لمسكنه .. وكلما عبر هذا الوطن في عيني أغمضتهما عليه خشية أن تطّلع عين على فتنته فتسقطه ..!!
لكل الأوطان نشيد ؛ لكن للوطن الذي في أعماقنا صوت يأتي من السماء كالبركات ، والحظوظ الطيبات ، يهتمون بأوطانهم لكن لوطننا رب يهتم به .. إننا نختلف كثيراً في هذا ، ولا نسعى إلى قول ذلك باستمرار لكيلا يشعرون بهذا التفضيل الذي اختصنا به الله دون سوانا .. هل تظنون أن المقدسات كغيرها ؟ لم أكن أرغب في ذكر الأماكن التي تحرسها الشياطين لديهم .. في حين أن هنا أماكن تطوف حولها الملائكة .. لا طاقة لي بإغضاب الآخرين فهم على أيّة حال في درجة أقل من تلك المقدسات المطهرة ، ثم أن الهنا الواحد الأحد لم يعط الفرصة لأحد على الأرض بتولى المهمة ، ثم منحنا شرف ذلك تقديراً منه لنا .. إننا في الغالب طيبون جداً ، ونؤمن بأن الله وهبنا العديد من الخيرات ، ووثق بنا لرعايتها بالشكل الصحيح .
نحن لسنا متحضرون كما يجب ؛ فلا مزيد لدينا من الآثام التي تغضب الأرض ، ومع كل ذلك نجتذب إلينا من كل فج عميق ، ولا يبرحوا المكان إلا وقد نالهم الرضا بكل شيء ومن كل شيء .. إنهم هنا يعتقدون أنهم قد يوشكون على الجنة ، أو أن جزءاً منها قد حصل لهم التعرف عليه .. هل رأيتم ذات مرة كيف يبكي المغادرون الأرض الطيبة ؟ ربما أن الفرصة لن تتسع لهم للعودة ، وربما أطفأ المكان أرواحهم المشتعلة بالفجور..!! يرغب الكثير من المغادرين البقاء هنا لمزيد من الوقت فالله هنا أقرب من أي وقت مضى . لا تستهينوا بتلك الدموع فليس لها أوطان كهذا الوطن . كاد أحدهم مرة أن يقذف نفسه من الطابق العلوي لأحد المباني المطلة على بيت الله يقول : لا رغبة لي في العودة لوطن لا مكان لله فيه ..!! أنتم محظوظون جداً بأن الله هنا في كل مكان ..وأنتم من فعل هذا بإلهكم ..!! (استغفر الله)
لم أعتمد مرة على تلك السخافات التي يرددها الكثيرون عن أوطانهم ، ولم أعتمد كذلك على النزر اليسير من منها والتي يتباهى بها الأغبياء عن هذا الوطن
. كل ما في الأمر أننا نعتمد على الله بشكل كامل بأن يمحو من أرضه الطاهرة أولئك النجس الذين يتأملون أحلامهم التي يرعاها الشيطان الأكبر رعاية حصرية..!!
في منتصف طريقنا إلى الوطن نلتفت إلى المسافة التي عبرناها فلا نجدها شاقة ، ونمد أنظارنا إلى الغيب فلا نجد المسافة إليه مضنية .. لقد تم توفير عدد كبير من الملائكة لحراستنا ، وليس من المعقول أن يحدث أمر سيء في قادم الأيام .. إنني أثق جداً باختيارات الله لنا ، وخصوصا تلك التي في الغيب ..!!
في الغالب أنني لا أتيح الفرصة للممسكين بالنار تلك اللعبة الخطرة التي قد تشوه ملامحهم ، وكلما سمعت منادياً لها أشعر بالعطش ، ويغمرني شعور بالحزن ، وكأني سأفقد وطناً .. رغم أن الوطن كبير ، وليس بإمكانهم حمله في سلة واحدة ، إلا أن للشيطان قوة ، ويستطيع أن يفعل أشياء كثيرة ومهمة . أشعر بالعطش جراء أفكار أولئك الذين يلعبون بالنار كالمجانين .. لن نتقيهم فالوطن الكبير جدا ، ومحاط بسور من قلوبنا لن يستطيعوا له نقبا ..!!
لم أكن لأتعود على الضيق فالوطن واسع جداً .. لكن فيما يبدو بأن هناك من يأمل أن يجعل منه قبوراً ضيقة ..!! لأولئك طبيعة كطبيعة الأموات فهم مفعمون بعشق الفناء ، ولا يعترفون بالحياة ، وقد سبقتهم أرواحهم المنكرة للأخرة .. لا أظن الأخرة ستكون جيدة لمن يسلكها عن طريق الشيطان المختصر .. إنهم لا يصعدون إلى الأعلى بينما هم يظنون ذلك .!!
إمساك العصا من المنتصف قد يؤدي إلى نتائج رائعة ، لكني أتفق تماماً مع آباء الوطن أن امساكها من طرفها في أحايين كثيرة سيؤدي إلى نتائج مرضية وأفضل ، وإن كانت مؤلمة . - أنتم تعون ما أقصد أليس كذلك -
إننا نرغب بالاستمرار في مأمن في هذا الكهف ، ولا حاجة لنا بسماع المزيد من الأشياء التي تدوي ، وتبيد فهي حقاً مزعجة وفضيعة ، لقد اعتدنا على الطمأنينة ، وليس بإمكاننا مخالفة ذلك النحو المستقيم.
في وطني ليس هنا العديد من أنواع الفاكهة المتدلية ، والبساتين ذات البهجة ، ولا الأنهار التي تجري لمستقر لها ، ولم يمت بعد لدينا في صيف الوطن أحد .. وليس
هنا إلا مجرة هائلة من تراب الصحاري ، وكواكب من الجبال الشاهقات المخيفة ، ورب غفور .!!
وأنتم تعرفون ما أريد قوله بعد الجملة السابقة .. - تحديدا -
لدينا ما يفتقده الآخرون ، وما انتزع منهم ، أو هم اشترك مع أهوائهم الشيطان لاختطافه ؛ ذلك الأمن والاطمئنان ..!!
ما علاقة السماء بهذه البقعة الصغيرة من الأرض ؟ فهي لا تمطر عليها إلا خيراً ورحمة ، وتفيض منها الأودية ، والشعاب لتسقي بإذن ربها كل من مد يده إليها.. ليست سراً تلك الآبار التي وهبها الله في الأرض لنا ، ولم نكن لندفن فيها أسرارنا ، ونكتفي بها بعيداً عن أفواه البقية الكثيرة الجائعة ، فلنا في كل فاه ملعقة سوداء محسنة تسد رمق الجوعى ، والمساكين والمحتاجين ؛ ومع كل تلك الكمية من الملاعق فإن الأفواه التي تأكل لا تقول شكراً للرب تعالى ، أو لنا ؛ وقد تبصق في وجوهنا كنوع من رد الجميل ..!! مدهش حقاً فهناك عقارب لا يجب الإحسان لها بأكثر من قدم غليظة تسقط عليها .
أنتم بلا شك قد فهمتم تماماً كل ما سبق -
لقد ذهبنا مرات لأوطان كثيرة ،وقدمت إلينا أوطان أخرى لم نكن بالغيها .. لكن وجه وطني ضخم ، وصدره مستور ، ويرتدي تاجاً عظيماً لم نره بوضوح إلا حين أصابت الأوطان الحمى .. لستُ متأكداً عمّا إذا كانت تلك الأوطان ستتعافى ، وكل ما أثق به هو أن وطنا كهذا لن يقدر عليه أحد غير الله ، وأن لو اجتمعت الأنس والجن على أن يضروه بشيء فلن تستطيع له طلبا . ليس لدينا ساحة للمعركة هنا ، فما من خصوم تذكر سوى بعض النمل وسنخسر فيما لو فكرنا أن نطلق عليها حتى رصاصة واحدة .

ما كان هذا كل شيء عن الوطن غير أني أكتب بطريقة غريبة ، وكأنني ساحر ، أو مسحور .
في الحقيقة لقد كتبتُ كلاماً معقداً إلى حد كبير ، لكنه هكذا أقبل ، وأظنه بملامح جميلة فيما لو تفرسناه كما ينبغي ..!!

مؤكد أن هنا من سيضمر شيئاً في قلبه ، وقد يقول آخر ما أضمر صاحبه ، وما من داع لأن احلف بأني لا أحمل طبلة فاخرة ، أو رديئة ؛ لكني كأيّ مخلص ، وطيب ، وعاشق بفطرته لوطن يستحق التمجيد والقداسة . كانت وصية أبي " أن أستوصي بالوطن خيرا "


انتهيت من كلامي رحمني الله، وقد تم النشر في صحيفة أعمالي
في اليوم السادس والعشرين من شهر أغسطس ما بين الساعة الواحدة والثالثة صباحاً .

 0  0  769
التعليقات ( 9 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    12-17-1436 05:31 صباحًا الفجر البعيد :
    كلماتك في حد ذاته وطن ..حفظك الرب وحفظ البلاد .. كانك قابض بروحك على الفراشات والأطيار ثم اطلقتها الى السماء فكانت أسراب من فرح ..*
  • #2
    12-16-1436 06:15 مساءً عبدالله المحسني :
    أنا محظوظ حقا باطلاعك ..



    الشكر لك حتى ترضى*
  • #3
    12-16-1436 04:17 مساءً موسى خواجي :
    هناك من يثني على الكاتب وأسلوبه في الكتابة*
    لست هنا لتقييم المقال - فكاتبه معروف بروعة التعبير والتلاعب بالالفاظ - وإنما لأشيد بروح الوطنية والولاء التي يمتلكها المحسني لهذه الارض والتي تنبعث مع انفاسه حفظ الله والوطن من كيد الكائدين ، وبارك الله فيك اخي عبدالله
    • #3 - 1
      12-16-1436 08:36 مساءً عبدالله المحسني :
      شكرا يا صديقي ..

      لقد عرفت أنك ستكون هنا .. فالوطن الذي تحب يلهمك بالغيب في أي مكان ..
  • #4
    12-16-1436 03:50 مساءً ahmad asere :
    المحسني*

    يعجبني التفرد في الأسلوب وجعل النص كله خلاصة كهذه المقالة...عنده أسلوب جميل ولغته فريدة..عشرة على عشرة
  • #5
    12-16-1436 03:48 مساءً ابن محايل :
    قرأت المقال مرة ومرتين وثلاث فوجدته في كل مرة يتجدد*
    وجدته في كل مرة أجمل من سابقتها*
    هنيئاً لك بهذا الأسلوب الجميل في الكتابة..والإسهاب اللا ممل..
    • #5 - 1
      12-16-1436 06:22 مساءً عبدالله المحسني :
      هنيئا لي بتواجد عينيك بين كلماتي لأكثر من مرة ..


      شكرا لك أيها الجميل ..
  • #6
    12-16-1436 03:40 مساءً علام :
    لقد تجليت كثيراً عبدالله*
    *وتلمستَ الكثير من مَواطن الحب والإنتماء
    ليس فحسب كمواطن يهيم عشقاً في التغني بوطنه وإنما برؤية وضعتَ نفسك في موقف الزائر الغريب*
    الذي يجد روحه التي لطالما بحثَ عنها كثيراً في وطنه

    شكراً أيها المبدع*
    • #6 - 1
      12-16-1436 06:28 مساءً عبدالله المحسني :
      لروحك النقية الشكر الوافر والحب ..
  • #7
    12-16-1436 03:40 مساءً نوال البحيري :
    رائع جدا ... سلمت
    • #7 - 1
      12-16-1436 06:30 مساءً عبدالله المحسني :
      أهلا أختي ..

      شكرا لعبورك من هنا*
  • #8
    12-16-1436 02:22 مساءً أبو عماد :
    يستحق الوطن هذا الإبداع ... سلمت فكرا وقلما...
    • #8 - 1
      12-16-1436 06:33 مساءً عبدالله المحسني :
      مرحبا يا صديقي الأقرب*
      *المكان الذي لا تكون فيه لن يبدو مدهشا ....
  • #9
    12-16-1436 02:21 مساءً زائر :
    بواسطة : أ. عبدالله المحسني

    لستُ في حاجة إلى الاستماع للنصائح المثلجة فأنا اشتكي من التهاب حاد في حنجرتي ، وعقلي أيضا.

    .
    .

    احسن الله لك ثم لنا في القول والعمل
    وندعوه تعالى ان يمُن بشفاءه على كل مريض يرجوا شفاءه

    ساعود للقراءة ان سمحت فرصه أخرى وكان الزهايمر في غفوه
    • #9 - 1
      12-18-1436 03:31 مساءً زائر :
      اعتذر ان تم فهمك لي غير ما ..قصدت
    • #9 - 2
      12-16-1436 08:30 مساءً عبدالله المحسني :
      لقد قلت سلفا ان النصائح المثلجة التي كهذه مضرة بالصحة ولا حاجة لي بها .. هناك الكثير من هذه المثلجات في الوطن ومن الأفضل لنا إهمالها حتى تذوب تماما ..!!

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 02:56 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.