• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 05:17 مساءً , الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016 | آخر تحديث: منذ 3 ساعة

نسيلة عامر حوفات

معاناة مثقفي الأطراف .

نسيلة عامر حوفات

 0  0  927
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

يجب قبل أي شيء ، أن نجرد هذا المصطلح أعني مصطلح الثقافة من المتطفلين عليه . لأن الثقافة في بيئاتنا الصغيرة مغلفة بكثير من المفاهيم الخاطئة والمشوهة ، فهي تُمنح لمن لا يستحق .. ويرتدي وسام الثقافة من لا يملك أوائل المعرفة فضلا عن أي شيء آخر . المثقف الذي أعني ليس شرطا أن يكون صاحب اسم بارز في المحافل الرسمية والمناسبات ، ولا هو من يقف خلف اللواقط ويضج صوته في مكبرات الصوت ، ولا هو من اكتفى بأن يُدعى لكتابة نصوص حفلات الشتاء ومناسبات الصيف واعتلاء منصات التتويج لإلقائها ، كما أنني لا أعني صاحب المنصب البارز في إدارة تعليمية ، وليس المقصود أبدا ذلك الذي يُسبق اسمه بالألقاب ويفخر على من حوله بقراءة الصحيفة اليومية .

كل هذا قد لا يكون إلا قناعا زائفا لخلو ثقافي وفراغ معرفي ، يخدع عامة الناس ويوهمهم أن هذا ما ينبغي أن يكون عليه المثقف أو أن هذه هي الصورة الحقيقة للمثقف " المطلوب " . ولهذا ؛ كثيرا ما نجد في بيئاتنا الصغيرة تكرارا لنسخ مشوهة تعيش وهم " الثقافة " وتمارس هذا الدور المضحك.والمؤسف حين تتلقاه الناس بالترحيب والإعجاب ، وربما أصبح غاية أحدهم من نفسه أن يصبح مثل "فلان" .. ولو علم هذا أن "فلانا" ما كان له أن يكون كذلك لولا أنه نشأ في بيئة خاوية لا تميز ، ولا تفرق بين الذهب والنحاس . فحسبتْه ذهبا يلمع وهو غير ذلك . وتزداد المشكلة تعقيدا وخطرا حين تبالغ هذه النماذج في تقمص هذا الدور فتبدأ في التحليل والتنظير والنفي والإثبات ، والحديث في العظيم والحقير .. فيصبح الجهل اللازم بالنفس ، تجهيلا متعديا للمتلقي البسيط ، سامعا كان أو قارئا .. فلا سلم هذا ولا أسلم ، ولعل هذا من الأسباب التي ملأت ساحاتنا الثقافية عموما بالجعجعة ولا طحين " ثقافي " حقيقي .
وربما يكون هذا " المثقف الوهمي " مجرد ضحية لهذه البئية التي نفخته ونفخته وملأته بالثناء والمديح حتى ظن نفسه شيئا ذا بال ، فهو جانٍ ومجتمعه يجني عليه . وهنا تظهر مشكلة من مشاكل الأطراف والبئيات الصغيرة ، فلا مقياس صحيح ولا نماذج واقعية قريبة منافسة .. و خلت الديار فساد غير مُسوّد !
البيئات الصغيرة تجني أعظم الجناية على " المتميز فيها " ، رغم أن المتميز فيها قد لا يكون إلا شخصا عاديا جدا في بيئة أخرى ، فتمنحه من الألقاب والثناء ، وتلبسه حلل المدائح والإطراء ، فيظن نفسه بلغ مبلغا من العلم عظيما .. فيقف إن كان قد جرب السير من قبل ، وهو لا يسمع ولا يبصر إلا كلمات الثناء من حوله تلمع .. فيبدأ بالاضمحلال قبل أن يستقيم عوده ، فـ"كان شيئا كان ثم انقضى " !

المثقف الذي أعنيه .. هو ذلك القاريء العاكف في مكتبته بين كتبه ، بين الطارف والتليد ، يعيش اليوم والأمس .. يقلب الأدب والتاريخ واللغة ، يطالع الشعر قديمه والحديث ، لا يرده عن مطالعة كتاب إلا مطالعة كتاب آخر .. أظلمت كتبه من خط قلمه القديم ، وامتلأت أوائل كتبه وأواخرها بهوامش صنعها لنفسه ، يسجل الفرائد ، ويقلد نفسها من قلائد ، يحفظ البيت الشارد ، والخبر الفريد ، يتغنى "وحده" بديوان شاعر أو يسير مع روائي .. يقلب المذكرات والسير ، يختصر تجارب الحياة ويصنع تجربته يصدق عليه قول الشاعر :
ويرى في الكتب دون الناس أحبابا وسامر
غارقا بين القواميس كغواص الجواهر
يرضع الأوراق بالحكمة من ثدي المحابر
ويضحي لكتاب ذاهب الطبعة نادر
حافظا كل قديم دارسا كل معاصر
هاتفا يا عصبة المال وطلاب المظاهر
كل ما أطلب من دنياكم ديوان شاعر !

هذا من النوع من الناس عادة ما يكون غريبا على بيئته ، مختلفا عنها ، وربما يجد نفسه في لحظات قد انفصل تماما عن الناس حوله ، لا يحسن أن يفكر كما يفكرون .. فلا يرضيهم ولا يرضى بهم ، وهو أشد معاناة وأكثر غربة عندما يعيش في بيئاتنا الصغيرة التي يكاد يختفي فيه التنوع ، وتتلاشى الفروق بين الناس .. فكل من حوله نسخ مكررة تفكر ذات التفكير وتعيش نفس التفاصيل اليومية والهوامش،وقليل من هؤلاء من يحسن " التعايش " مع عالمه الصعب هذا ، فيبقى أكثرهم أسرى لبيوتهم ومكتباتهم .. يأسى الناس لحالهم ووحدتهم ، وهم يأسون لحال الناس وغيابهم ، وهي والله مفارقة لطيفة .. فكم سمعت من عبارات " التحسر " على فلان المسكين الذي " حبس نفسه في منزله " لا يخرج منه ، أي حياة يعيش هذا ؟! .. " الله يعينه على حياته " .. فأضحك لأني أعلم منه أنه في عالم لا يرضى به بديلا ولا عنه تحويلا !وأنا أكتب هذه الكلمات أستحضر في ذهني " فلانا وفلانا وفلانا ... " قلة قليلين ممن أعرف ، تكاد تجمهم أصابع اليد الواحدة ، يعيشون عزلة عن الناس في مشاعرهم وهمومهم ..
-

 0  0  927
التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 05:17 مساءً الأحد 5 ربيع الأول 1438 / 4 ديسمبر 2016.