• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 10:43 صباحًا , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016 | آخر تحديث: منذ 4 ساعة

د. حمزة فايع الفتحي

حنايا قلم ( 12 )

د. حمزة فايع الفتحي

 0  0  741
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
حنايا قلم (12)
غدير امّطينة، بنكهة الميسيسبي...!

يستعيد شريط الذكريات الأول، وفي بعضه تعرجات، ومؤثرات، تحاول مرآة الذاكرة أن تصفيها حتى تكون بادية للعيان، فحلم وسط حقيقة، واطياف في قلب واقع،،! ومسرح طفولي لا يعاين إلا الفرح والسرور، ويتجاوز مرارة الأزمات في رقم قياسي،،! فمسار جلي واضح، وآخر تكنفه الضباب، وباتت الرؤية ضعيفة، وثالث، انمحى تقريبا،، ويحس ببعضها كخيال عابر، او ربما ذكره محب او صديق،،،،،،!
سأله بعض الأكابر: أدركت امّطينة،،،؟! فأجاب: طبعا، ... وتلذذنا بمتعتها وأجوائها، كأنك على ضفاف الميسيسبي، او البسفور،،،!
وجره ذلك الى رقم مقال حانٍ لطيف، آثر أن يضمه (للحنايا)، لأنه من عبق الذكريات، فإليه:
تتراد الذاكرة أحيانا او قصدا، لتنهل من ينبوع الصفاء القديم، و(حديقة الانشراح) المهجورة من عقود، علّها تجدّد الأمل، وتفر من ضغط المدنية الحارق، ورهق الحداثة الخانق،،،،! فتُلفي في القِدم رَوحاً وريحاناً وجنة سرور واطمئنان،،،، رغم القحط والصعوبة، والعسر والمسغبة،،،،!
كنا بين رثاثة وبساطة،،، وفي مناحي عوز وسلاسة، نلهو بالبالي، ونضحك بالميسور،،! نتصارع (بورق العِشَر)، ومارسنا الكرة بورق ملفوف،،،،!
البيوت غالبها شعبي،،،، وبأشكالها المنوعة، رأيت (الدارة)، وبنينا (بالزنك)،،،واستظلينا (بالصُبولة)،،،! نتردد بين البيوت، ونجلب (اللوز والجنَى) والكرة،، من أي فناء او حوش بلا تردد،،،،!! ومطاردات صاخبة، بيننا وبين جداتنا العجائز،،،،هههه!
وكان في بعضهن صرامة،،، تُشهر سكّينها أمامنا ،،، وما إنْ تدبّ الكرة حول (حنّايتها) الأنيقة ،او ريحانها الباسق، الا وقد ألقت علينا كرتنا، المجموعة من (قطة شاقة) ،حول رؤوسنا، وقد قُسمت فرقتين، مشفوعة بدعوات غاضبات،،، فعَلانا الكدر، وتلبسنا الغم والحزن،،،،!!
إيه احاديثَ نعمانٍ وساكنِه// إن الحديث عن الأحباب أسمارُ

لا توجد سيارات لدى أكثرنا،، إنما يملكها التجار والموسرون،،،! لا نعرف وديان ولا أنهارا ، وحدائق غناء،،،! إلا ما كان من (وادي حلي)، الحالي (بمبرايته)، التي يتسابق لها مُلاك السيارات ، لا سيما (أرباب الجيب)،،،!!
واذا فاتتك امبراية، فقد فاتتك لذة المكان، وظله وسكونه، وروعة المجرى المائي الآسر ،،،،!
ثم بعد مدة تعرّفنا على نبع او غدير يسمى( امطينة) ،تعرفه الأجيال قبلنا، ليست ببعيدة عنا، في الجهة الحجازية لمحايل ، وقريبة، بعيدة من (حي الربوع) الذي قال فيه القائل العاشق:
حيّ الربوع ترانيمي ومَفرحتي// وبالمحمّم خلاني وأوراقي..!
،حُفرت من جراء جمع الطين للوازم البناء للبيوت الحجرية، فكانت مهبطا منخفضا لتجمع الماء، وزخات الأمطار، التي جعلت منها غديرا ساحرا، (يستجلب الأهواء)، ويغري الأفئدة، ليس لنا ثمة متعة سواه،،،،!
يعود أحدنا من مدرسته، فيلقي حقيبته مسرعا، والوجهة المطينة، ذات الدَل والحُسن، وعروج السدر المتوهج، فنؤمها سائحين فارهين، وبعضنا سابحين،، لم أسبح لجهلي بالسباحة ، لكن الحضور كان متعة، والصيد بهجة، والضحك له طعومة،....
تترامى النسائم عليك، وتغنّي البلابل الصادحة، حتى لتشعر أنك على أبهى الأماكن، و(أنفس المرافئ)،،! وفتية آخرون قد وضعوا محانبهم ومصائدهم،،، ربما عاد منتشياً بقمري او قطاطة،،،!
كما يقال،،،،!!
حي المنازلَ إذ لا نبتغي بدلا// بالدار داراً ولا الجيران جيرانا،،!!
تذكرتها الآن وبعد ثلاثين سنة، على إثر حديث ماتع، فحنيت وأصغيت، وطارت بي الذكرى إلى (مخازن السعادة) المخبوءة في جويهرة القِدم، وسويداء القلب، حتى صورت تلك اللذاذة بأماكن عالمية، يؤمها الناس من كل مكان،،،،! فأحسست أننا كنا في بهاء وجمال لا يُبارى،،! ربما فاقت ضفاف الميسيسبي، او أفانين البسفور، أو مقاهي النيل،،،! استمتاع لا حد له، وزينة وارفة، وأجواء عطرة،،،! رغم (القيظ المتصاعد) ، ولهيب الظهيرة، الا أن ثمة نسمات زاكية، ونفحات مزخرفة، تُنسيك الحرارة، وتلطّف الهجير،،، وربما كانت (أوقات شاتية)،،، لا أذكر الآن،،،،!
منظر الشمس المذهّبة على سفح الماء، وحركة السدر المتراقصة والمكتنفة للمكان، مع شدو الطيور الناعم، لا زلت أستنشقه إلى هذه اللحظة ،،،،
والأرضُ حولك فضةٌ رقراقةٌ // والشمس فوقك عسجدٌ يتضرمُ!!
وعيونٌ ماءٍ دافقاتٌ في الثرى// تَشفي العليل كأنما هي زمزم ُ!
المكان يأسرك، والصحبة تخطفك، والجمال يغنّي لك،،،!! لا تدري أين مكمن الابتهاج هنا؟!! كلها نوافذ إلى مصافي السعادة والحبور ،،،!
ولقد شغفتُ بذا النسيم وحولَنا// نبعٌ يفوح وصحبةٌ وحبورُ
كانت جدولاً يوميا،،، لا نكاد نتخلّف،،! البعض بعد المدرسة، وبعضنا بعد الغداء،،،! وإذا هطلت الأمطار، واهتزت الأرض وربَت، وسالت شعابها، احتشد الناس صغارهم وكبارهم، لكأننا في (مهرجان حدائقي) مؤنس،....
ضحكات وكلمات، ولعب وغوص، وتحديات، الى أن تغيب الشمس،،،،!
لاحظت زخارة الماء، وإقدام السباحين، وتلوّن الشجر، و(نداوة الزَبير)، ونغمات نبات السلام ذي الشوك المتوثب،،،،!!
ولا يوجد كهرباء، لتحلو السمرة، وتطيب الجلسة، على ضفاف المطينة ألأخاذة الجذابة ،،،!
ولكنّ الطقس عليل، والمنظر خَصيب، والمكان رطيب،،،!
صدقوني،،، لا أبالغ ،،، تلك كانت متعتنا، وهي أنسنا وجمالنا وارتياحُنا،،،،!! ونرى أننا في أعالي الخير والبهجة والانبساط،،،!
قالوا تطينْ وانتعِش بالمطينة// تلك التي طارت بنا للمئذنةْ
نبعٌ عجيبٌ آسرٌ لكأنه// يَجري على تلك الهموم المحزنةْ
عاينتُها فشربتُ منها صفوَها// وأكلت من شجر الوصال المُدهَنة
ورحلت في زهر الوئام وليس لي// إلا الجمال وحسنه في الأمكنة !
ليس ثمة فرق بين النزهة القديمة والجديدة، إذا استراح القلب، واطمأنت النفس، وبلغت في السمو غايتها، لأن السعد والنور في القلب، وهو كذلك محل للحزن والضيق،،،!!
والذي نفسه بغير جمالٍ// لا يرى في الوجود شيئاً جميلا!
فالسعادة تدرك وتكتسب بأقل الأشياء، وأبسط الامور، وليست بسَرف وتفاخر، او تعالٍ ومظاهر،،،!
يخطئ كثيرون حينما يظنون أن المال كل شئ، او السعادة تستجلب بالغلاء والنفاسة،،! كلا ،،
بل انها في أحايين كثيرة، تعيش وسط الفقراء، وفي (مناكب البسطاء) والأيتام ،،،!
ولذا فإن ذهابك لأغلا الأماكن لا يعني تحقيق نسبة عالية من السعادة والانشراح الداخلي،وزوال الغم والهم، لأنه قد يزول بأقل التكلفات،،!
ولذلك كثير من الفقراء أسعد من الأغنياء ، بسبب راحة النفس، واستقرار القلب، وحسن الصلة بالله، التي ضيعها بعض أرباب الأموال والدثور، واعتقدوا أن امتلاك المال ،حل لكل التحديات، وبلوغ لأنوار السعادات،،،!! والسلام،،،،

ومضة : سعادة البسطاء تربو على ترفية الأغنياء،،،!
1436/3/25

 0  0  741
التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:43 صباحًا الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.