• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 12:35 مساءً , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016 | آخر تحديث: منذ 5 ساعة

د. حمزة فايع الفتحي

معوِّقون على الطريق..!

د. حمزة فايع الفتحي

 1  0  1.4K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
إن العمل الإسلامي في العقدين الآخرين قد تنوعت طرقه، وتعددت أطيافه، وبرزت محاسنه، إلا أنه لا ينفك عن مكدرات تشوشه وتعوقه، وتحاول تقليص نشاطه، وربما عرقلته أحيانا، وممن هو داخل الحقل المتدين، أو كان من العاملين، أو من المغرضين المنافقين.
مما يؤكد أن ثمة جماعات من الإسلاميين لم تنضج من الناحيتين الإيمانية والفكرية، لأنها لو نضجت إيمانيا، لفرحت بجهود إخوانها ولو خالفتها، ولمزيد النجاح والإتقان تقدم نصائحها في إطار من اللطف والأدب.
وأما أنها لم تنضح فكرا، فلقلة معلوماتها، وهوان تفكيرها وضيق أفقها، وانعدام المرونة فيها، كما سنبين ، وبسبب تمادي أشكال التعويق والتثبيط والتحطيم، ناسب أن نتحدث عنها، لاسيما وأن في القرآن نوعا من كشفهم في آيات مختلفة، ومما لفتني في كتاب الله قوله تعالى عن المنافقين وأذنابهم في غزوة الخندق، التي نجم فيها النفاق " قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا" [ الأحزاب :18].
فتأملت ساحة العمل الإسلامي، فرأيت أصنافا وأشكالاً من التعويق التي تحسن دراستها، وطرحها لكشف مسلك الفئات الغائرة في الجهل، والتي أعماها الحسد، أو شانها انبلاج الخير ونصاعته. والله المستعان.
ولو كان سهما واحداً لا تقيتُه## ولكنه سهم وثان وثالثُ !
ولذلك نحذر إخواننا العاملين من التورط في هذه المزالق، لأنها تنابذ وحدة المسلمين، وتنبئ عن تفاهة الفكر، والله تعالى محيط بهم وعليم بأسمائهم وتحركاتهم ونياتهم (قد يعلم الله المعوقين) ويخشى عليهم من التراجع والتقهقر، بسبب سلوك هذا المسلك إذا تعمدوه، وأما من مارسه بعلم وفهم يرى صوابه، فهذا يحاور ويناقش، حتي يكشف له الحق ولا تثريب عليه، وليس عليه من سبيل سوى الدعاء له بالتوفيق والإصابة.
ومع ذلك فإن المسلم العامل يوصى بدوام الاطلاع، وكثرة التأمل للساحة الإسلامية، والاستفادة من تجارب الآخرين، وجلسات العلماء والمفكرين والمبدعين لتصحيح المسالك القديمة،والأفكار العتيقة، حتى لا يتجاوزه الناس وهو لا يزال في مكانه رابضا، أو يفوته القطار وهو ما يزال ينتظر!!
إن المعوقين لإخوانهم المسلمين في العمل الإسلامي شأنهم أهم من أولئك العوقة من المنافقين وأذنابهم، لأن هؤلاء أعداء حقيقيون، ولا فكاك من إيذاءاتهم وتكديراتهم كما قال (هُمْ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ). [المنافقون: 4]
أما الذين في النطاق الإسلامي، فقد أزرى بهم سوء فهم أو خمول ذكر، أو نزعة شر، أو اندفاع قاس، قادهم لتعويق إخوانهم، وتثبيطهم عن العمل والجد والبذل والمسارعة، التي تقتضي في كل مسلم وسالك إلى الله أن يتوقاها، ويهيئ نفسه من أجلها، فكيف من ينتسب للدعوة، ويستيقن عمومية الرسالة، واستفحال شرور من لا يريد ببني آدم خيرا، لأن هذا الدين ليس خاصا لطائفة، أو من أملاك أمة، بل هو لسائر الخلق، ويؤلمنا تردي أوضاع الإنسانية، وفوات السعادة عنها وفقدانها للحياة الطيبة!!
والتعويق في العمل الإسلامي، لم يعد سرا أن جماعات تمارسه بعلم أو بجهل وسوء مقصد، والمهم إننا نزيد تبيانه ليتضح عمق الضرر، والخطر الذي يضرون به إخوانهم، وأمتهم، وهم لا يشعرون!!
لا يمكن لأحد أن يتناسى دور المنافقين المعوقين في أحد والأحزاب وفي مواطن كثيرة!! وكيف كان ينعكس ذلك التعويق نفسيا وماديا على الجيش الإسلامي، والاستبسال الكبير الذي تحلى به رسولنا صلى الله عليه وسلم إبان تطويق المدينة، وتعويق المرجفين، حتى قال الله مشيدا بصبرة، ومنبها بعصاميته:
" لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً" [ الأحزاب :21].
وهي واردة في سياق الجهاد والصبر والأخطار، وليس في سياق الصلاة أو الحج والزكاة فقيها موعظة لنا، نفعنا الله بها، آمين.
ورسالة التعويق هذه نوع من المعرفة المقبسة من كتاب الله تعالى، حيث ذكر الله تعويق المنافقين وكشف صفاتهم، وأبان خطرهم على الدين والأمة فوجب البيان بهذا النوع من المعرفة، لأنه متجدد ومتواصل في الحياة الإنسانية، ويمس بدرجة كبيرة العاملين والمؤثرين في العمل الإسلامي.
لابد وأن الناظر في مثل هذه القضايا والمشكلات، يدرك أن لكل قضية أسبابا ومسببات، أورثت مثل هذه النازلة، ذات الأبعاد الخطيرة، والمؤثرات البليغة ومن خلال التأمل لمسألة التعويق وما ناظرها من قضايا مشابهة، فإن أسبابها تكمن فيما يلي:
1) النفاق: وهو الذي حمل مؤسسي مدرسة التعويق القديمة، على فعلهم، بأن يخلخلوا الأمة المسلمة، وينشروا فيها المثبطات، ويصرفوها عن وجهها الحقيقي، قال تعالى في سياق سورة الأحزاب:
" هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً (12) وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً (13) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاَّ يَسِيراً (14) وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لاَ يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً (15) قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ المَوْتِ أَوِ القَتْلِ وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (16) قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِياًّ وَلاَ نَصِيراً (17) قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ البَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً" [ الأحزاب : 11-18].
وهذا السبب والباعث إنما يمارسه ويتورط فيه أعداء الدين والمغرضون وأذناب الغرب ، وأفراح التغريب، وعملاء المحتلين من الراضين بالدون والدنية، والمنهزمون فكريا وقوميا، وهم من لا يعتبرون الدين قضيتهم ولا مرجعيتهم!! بل قد يتهجمون عليه إذا سنحت لهم الفرصة، وإذا تورطوا بالعيش في مجتمعات مسلمة أظهروا دينهم وتمسكهم، وربما نظروا في قضايا شرعية!!.
إذن فهذا السبب غالباً خارج نطاق المسلمين الحقيقيين ، ولكن قد يشابههم فيه من يحمل شيئا من صفاتهم، كالكذب، والخيانة، وخلف الوعد والفجور في الخصومة وهو مسلم، لكنه يحملها بسبب ضعف دينه، واعوجاج سلوكه ومقارفته شيئا من الخطايا.
2) الجهل: وهو السلوك القائم على انعدام العلم، فيهرف صاحبه بما لا يعرف! وينقد بلا تفهم، ويضيف بلا إدراك، وهو آفة كثير من الانتقادات والخصومات، والتعويقات، بل هو آفة الآفات، ومحط البليات، قال تعالى:" قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ" [ الزمر:9].
والجاهل إما أن يكون محبا للدعوة، وليس لديه معرفة، ويؤدي الدعوة بتقليدية معروفة ولا يرضى سوى طريقه، أو يكون جهله بخطط الدعوة ومراجعها وأصولها وفقهها، أو يكون جهله ببعض المسالك التي هي محل معترك الفقهاء من ذوي الدقة والخبرات، وعلى كل فهي شر ينبغي للمسلم أن لا يتحدث إلا عن دراية وإدراك، حتى لا يكون معكراً للعمل، أو معوقا لأهله أو شعاراً لسخرية الآخرين.
3) ضيق الأفق: الذي منشأه قلة الثقافة، والتصلب الفكري، وهجران المطالعة والخوف من الجديد والتحديث، بحيث يصبح المرء لا يتجاوز ظله في التفكير الجاد، وربما لا يحسن التعامل مع المعطيات الجديدة، ويكون متخوفا ومحتاراً أمام كل حديث وطارئ ونازلة، فيقلل من مشاريع جادة، وأفكار ناجحة، وبرامج حديثة !! ويأبى التجديد! فيمارس وهو لا يشعر التعويق بكل ألوانه، وهو يظن أنه يحسن صنعا، أو يحدث خيرا وأثرا!!
4) الحسد: وهو آفة ذميمة، وسلوك سيء ، يعتري أرباب المهن المتساوية، ويشعله إبليس للفتنة والاختلاف وتحطيم الجهود، قال تعالى:
" أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ" [ النساء:54]
وكان ينبغي لهم أن لا يحسدوا الناس على خير وهبهم الله تعالى، لأن الرازق هو الله، والمقدر هو الله، يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر.
ولكن يحمل الحسد فئاماً على قطع أدوار إخوانهم، وتشتيت جهودهم، ومحاولة الطعن والتنقص على كل الأحوال، بسبب إشتهارهم، أو إغفال الناس عنهم، أو تميزإخوانهم العاملين في مجال ما، بقدرة أو مهارة، أو اتقان، فيبيتوا وقد نسفوا أعمالهم، وزرعوا الأشواك أمامهم للحد والتقليل والتخذيل، والله المستعان.
إن كلمة تنبئ عن حب وتقدير وتشجيع، تدفع بالعامل إلى مراقي الجد والبذل والمنافسة، وكلمة أخرى تنبئ عن كشف وإزدراء وتهوين، تأخذه في متاهات الحيرة والتردد والانكفاء، ولا يثبت إلا من ثبته الله، بفضل حكم أو نية، أو نباهة تقلدها.
5) سوء الفهم: وهذا إنما يحمله ذو الثقافات الشحيحة، والعلم البسيط، الذين ينظرون في قضايا العمل الإسلامي، دون تمكن واقتدار، أو معرفة واستبحار، وهذه بلية لا تنقضي!
إذ يعتقد كثيرون في محيط هذا السبب، أن امتلاك شيء من العلم الشرعي يخولهم النقد والتحليل والتمحيص والتمييز، وهذا غير صحيح! حيث يكون سببا في مزلة (سوء الفهم) التي تحمل أتباعها على الاستعجال وارتكاب الخطأ، واستنكار ما لا يستنكر، وقفو كل غريب وشاذ.
وإنما يعالج سوء الفهم بمزيد العلم وتوسيع مدارك النظر، وصحبة المبدعين، واقتحام سُتُر التجربة، والمشاورة المراجعة، واعتقاد ديمومة التعلم والتفقه على كل حال، قال تعالى:
" وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً" [ طه :114] .
6) قلة الوعي: والوعي شيء غير العلم، وغير محبة الخير والاستماتة في نشر الدعوة، والعمل الإسلامي المفيد، وإن كان العلم ومنائره، تدفع إلى رفع مستوى الوعي عند الأمة، لا سيما للمشاركين في الدعوة وأبواب العلم والجهاد والإدارة، فيصبح الوعي يتحرك من خلال علم رصين، ونباهه صحيحة وإدراك متميز، وحكمة نافذة، تجعله لا يخلط الأمور بعضها على بعض، ويراعي الأصول قبل الفروع، والكليات قبل الجزئيات، والأولويات قبل المكملات، وهلم جرا.
ويحسن تخريج النصوص، والجمع بينها، وعدم اطراح بعضها، ولا يصادم مقاصد الشريعة، ويتصرف عبر رؤية شرعية معتدلة، تضمن له حسن السلوك ودقة الاختيار، ورفع الحرج.
وأما من ضعف وعيه، وقلت نباهته فهو من سيصادم إخوانه، ويصادر جهودهم، ويعوق تحركاتهم بزعمه أنه على الجادة، وأصاب المحل، لذا يجب ألا ينزلق المؤمن إلى مثل ذلك، وأن يكون على وعي بالأمور وإحاطة وإطلاع، فلا يندفع، وتثار مشاعره لأدنى سبب، وألا يستعجل إطلاق الأحكام، قبل تفحص المسائل والمشكلات.
7) التحزب المشين: ونعني به غير المحمود الذي يتحزب ليؤذي، ليس لينفع، ويتحزب ليسيطر، وليس لينشر، ويتحزب ليحطم ويفرق، وليس ليجمع ويؤلف!! وقد قال تعالى:
" وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ"
وقال " وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا" [آل عمران:105 ، 103]
وقال : " وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ" [ الأنفال:46].
والمشكلة الكبرى في هذه الأزمنة، أن التحزب الدعوي أو الفكري أو العلمي، قد خرج عن مساره الصحيح، وبات يسجل الانتصارات والإنجازات لنفسه وليس للإسلام، ولذا يتعمد بعض المحسوبين على تيارات إسلامية، أن يقصي الآخرين، ويعوق إبداعاتهم، وربما شانأهم، وحذر منهم، وأبى كل تعاون محمود لخدمة الإسلام، بحجة اختلاف التوجه والمنهج! فلم تعد المؤسسات والأحزاب ذات نتائج إسلامية، وإنما نتائج وثمار شخصية وحزبية، والله المستعان.

 1  0  1.4K
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    04-04-1433 12:54 صباحًا ابراهيم سودان :
    الشيخ حمزة كلام في الصميم جزاك اللة خير

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:35 مساءً الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.