• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 07:58 صباحًا , السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016 | آخر تحديث: منذ 7 ساعة

نسيلة عامر حوفات

الفنان حسن !!

نسيلة عامر حوفات

 0  0  643
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
"الفنان حسن"
الفنان المشهور حسن حسني يمثل دور عامل نظافة لإحدى المدارس . يأتي يوميًا بعد انتهاء الدوام المدرسي لأداء واجبه فـي التنظيف ، وهو فـي عمله - أيام الاختبارات - يسمعُ صوتًا ، ويحسُ حركة فـي إحدى حُجَر المعلمين والمعلمات ، يقترب بهدوء ، ليكتشف معلمة أو باللهجة المصرية ( ميس ) ، تزوّر درجات إحدى الطالبات - بناءً على طلب خطيبها - لتنقلها من مرتبة الرسوب إلـى مرتبة النجاح ، يدينها بالجرم المشهود ، والعمل الغير مشروع ، تترجاه ألا يخبر أحدًا ، فيرحمها ، ويعِدها الكتمان .
ينتقل المشهد ، فـي الوقت نفسه : وُجد خطيبها مقتولًا ، وأظنه كان مخنوقًا ، والقاتل فر مسرورًا ، ولم يترك خلفه دليلًا ، يُستدعى المعارف والجيران ، ويُؤتى بالأقارب والخِلان ، وِكالعادة فـي أي دراما مصرية : أين كنت وقت ( وأت ) الجريمة ؟
المعلمةُ فـي دورها : ترفض الإجابة لأنها لا تريد أن تخبرهم بجريمتها الأولى ، والنتيجة : تحوم حولها الشكوك ، وتزيد فيها وعليها الظنون ، وتحبس على ذمة التحقيق .
يخاف من يعلم بمكان وجودها وقت الجريمة أن تُلبس القضية ، وتُدان بالجناية ، فيسعى لإنقاذها مهرولًا ؛ ليدخل قسم الشرطة فزعًا : يا باشا أنا أعلم أين كانت وقت الجريمة ، تصيح المعلمة ، تبكي ، تتوسل ، تترجاه أن لا يخبرهم بمكان وجودها . فلما يكشف المستور ، ويُظهر المبطون ، يقول الضابط : يعني هي بريئة من قتل خطيبها ، يرد عامل التنظيف : نعم يا باشا هي بريئة من قتل واحد ، لكنها قتلت جيلًا كاملًا من التلاميذ .
مسلسل شاهدته أيام دراستي المرحلة الثانوية ، وما زال عالقًا فـي ذهني ، تحول فـي وقتنا المعاصر لمشكلة تربوية حقيقة ، ولست مضطرًا لسرد الشواهد والأدلة ؛ لأنّ كل فرد منا يعيش معاناتها ، ولا يستطيع نكرانها ، وإن سلم المعلم الأمين فـي هذا الزمن منها ؛ لم يسلم من غبارها وعجاجها أو باللهجة المصرية عَفَارِها .
وهذا السناريو الواقعي وإن كان مملًا ، وأبطاله مزيفون ، إلا أنا استفدنا منه أن الاعتماد على النفس عند الطالب قُتل غيلة ، وباب الأمانة كُسر بلا حيلة ، وقبول المعلمين لهذه التصرفات الرعناء جعلته بين طلابنا ثقافة ، بعد أن كان التفكير فيها - فقط - يُعد وقاحة .
وبعد أيام تحل علينا الامتحانات ، ويطرق الباب شبح الاختبارات ، ومعها تكثر من أولياء الأمور الاتصالات ، وتنهال على المعلمين عبارات الثناء والتحيات ، ثم : ( ابني خائف من المادة أريدك أن تساعده ) ، وآخر : ( أخي يطمع فـي كرمك ؛ فزده فـي الدرجات حتى يُقبل في الجامعة ) ، وغيره : ( أنا مرسول لك من طرف فلان ...... ) .
وأعجب منهم أن يفتح الطالب الكسول معك هذا الحديث ، دون خوف أو هيبة أو تقدير ، ليبين لك رغبته إضافة درجات - لا يستحقها - فـي مادة من المواد ؛ ليلحق بركب النجباء ، وأمنيته أن يكون من الأطباء .
وأعجب من الصنفين : ما حكاه زميل أثق فيه ؛ فقال : ( جاءني طالب بيني وبينه قرابة يطلب منه أن أعطي طالبًا آخر درجات إضافية لا يستحقها معللاً ذلك بأنه قد شفع له عند معلم قريب له ؛ فأكرمه بالدرجات فيريد أن يرد الدين ، ويُكرم العين ) .
وعليه فإن ذمتنا كمعلمين - أمام هذا الكم الهائل من الشفاعات والواسطات - قد خانت ، وأمانتنا كمدرسين - مقابل حبال العلاقات وحسنات المنافع - فـي الأوحال والمستنقعات قد سقطت .
وأصبحنا نعيش فوضى تعليمية عجيبة ، وحالة تربوية غريبة ، والمعصوم من عصمه الله ، والسالم من سلمه الله .
وأكثر ما يؤلم الطالب المجتهد أن يفاجئ بزميله الكسول ، ورفيقه الخمول ، يساويه فـي درجات المنهج الدراسي ، ويضاهيه بالمعدل التراكمي ، فتسقط عنده قيمة الاجتهاد ، ولا يبتهج بعبارات التفوق وشهادات النجاح ، لأن قرينه ليس من أهل الفلاح ، ولا يعادله فـي الجد والكفاح .
ولقد ترتب لهذا التساهل عوائد خبيثة ، ومخرجات منتنة ، نراها فـي هذه الأجيال التي بين أيدينا ، والنشء الذي أمام أعيننا : سارية أعلامهم مكسورة ، وأفهامهم سقيمة ، يتعالمون بلا علم ، ويتسابقون بلا زاد ، قد أشابوا المجتمع صغارًا ، وأمرضوه كبارًا .
وأخيرًا - قارئي الكريم يجب على كل معلم ابتلي بمثل هذه القاذورات أن يبني أساسه من جديد ، مراعيًا فيه ربنا الحميد ، فيُعطي كل ذي حق حقه بالعدل والإنصاف حتى يسلم يوم الوعيد .

 0  0  643
التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:58 صباحًا السبت 11 ربيع الأول 1438 / 10 ديسمبر 2016.