• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 01:33 مساءً , الخميس 9 شعبان 1441 / 2 أبريل 2020 | آخر تحديث: 08-06-1441

نسيلة عامر حوفان

الفنان حسن !!

نسيلة عامر حوفان

 0  0  852
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
"الفنان حسن"
الفنان المشهور حسن حسني يمثل دور عامل نظافة لإحدى المدارس . يأتي يوميًا بعد انتهاء الدوام المدرسي لأداء واجبه فـي التنظيف ، وهو فـي عمله - أيام الاختبارات - يسمعُ صوتًا ، ويحسُ حركة فـي إحدى حُجَر المعلمين والمعلمات ، يقترب بهدوء ، ليكتشف معلمة أو باللهجة المصرية ( ميس ) ، تزوّر درجات إحدى الطالبات - بناءً على طلب خطيبها - لتنقلها من مرتبة الرسوب إلـى مرتبة النجاح ، يدينها بالجرم المشهود ، والعمل الغير مشروع ، تترجاه ألا يخبر أحدًا ، فيرحمها ، ويعِدها الكتمان .
ينتقل المشهد ، فـي الوقت نفسه : وُجد خطيبها مقتولًا ، وأظنه كان مخنوقًا ، والقاتل فر مسرورًا ، ولم يترك خلفه دليلًا ، يُستدعى المعارف والجيران ، ويُؤتى بالأقارب والخِلان ، وِكالعادة فـي أي دراما مصرية : أين كنت وقت ( وأت ) الجريمة ؟
المعلمةُ فـي دورها : ترفض الإجابة لأنها لا تريد أن تخبرهم بجريمتها الأولى ، والنتيجة : تحوم حولها الشكوك ، وتزيد فيها وعليها الظنون ، وتحبس على ذمة التحقيق .
يخاف من يعلم بمكان وجودها وقت الجريمة أن تُلبس القضية ، وتُدان بالجناية ، فيسعى لإنقاذها مهرولًا ؛ ليدخل قسم الشرطة فزعًا : يا باشا أنا أعلم أين كانت وقت الجريمة ، تصيح المعلمة ، تبكي ، تتوسل ، تترجاه أن لا يخبرهم بمكان وجودها . فلما يكشف المستور ، ويُظهر المبطون ، يقول الضابط : يعني هي بريئة من قتل خطيبها ، يرد عامل التنظيف : نعم يا باشا هي بريئة من قتل واحد ، لكنها قتلت جيلًا كاملًا من التلاميذ .
مسلسل شاهدته أيام دراستي المرحلة الثانوية ، وما زال عالقًا فـي ذهني ، تحول فـي وقتنا المعاصر لمشكلة تربوية حقيقة ، ولست مضطرًا لسرد الشواهد والأدلة ؛ لأنّ كل فرد منا يعيش معاناتها ، ولا يستطيع نكرانها ، وإن سلم المعلم الأمين فـي هذا الزمن منها ؛ لم يسلم من غبارها وعجاجها أو باللهجة المصرية عَفَارِها .
وهذا السناريو الواقعي وإن كان مملًا ، وأبطاله مزيفون ، إلا أنا استفدنا منه أن الاعتماد على النفس عند الطالب قُتل غيلة ، وباب الأمانة كُسر بلا حيلة ، وقبول المعلمين لهذه التصرفات الرعناء جعلته بين طلابنا ثقافة ، بعد أن كان التفكير فيها - فقط - يُعد وقاحة .
وبعد أيام تحل علينا الامتحانات ، ويطرق الباب شبح الاختبارات ، ومعها تكثر من أولياء الأمور الاتصالات ، وتنهال على المعلمين عبارات الثناء والتحيات ، ثم : ( ابني خائف من المادة أريدك أن تساعده ) ، وآخر : ( أخي يطمع فـي كرمك ؛ فزده فـي الدرجات حتى يُقبل في الجامعة ) ، وغيره : ( أنا مرسول لك من طرف فلان ...... ) .
وأعجب منهم أن يفتح الطالب الكسول معك هذا الحديث ، دون خوف أو هيبة أو تقدير ، ليبين لك رغبته إضافة درجات - لا يستحقها - فـي مادة من المواد ؛ ليلحق بركب النجباء ، وأمنيته أن يكون من الأطباء .
وأعجب من الصنفين : ما حكاه زميل أثق فيه ؛ فقال : ( جاءني طالب بيني وبينه قرابة يطلب منه أن أعطي طالبًا آخر درجات إضافية لا يستحقها معللاً ذلك بأنه قد شفع له عند معلم قريب له ؛ فأكرمه بالدرجات فيريد أن يرد الدين ، ويُكرم العين ) .
وعليه فإن ذمتنا كمعلمين - أمام هذا الكم الهائل من الشفاعات والواسطات - قد خانت ، وأمانتنا كمدرسين - مقابل حبال العلاقات وحسنات المنافع - فـي الأوحال والمستنقعات قد سقطت .
وأصبحنا نعيش فوضى تعليمية عجيبة ، وحالة تربوية غريبة ، والمعصوم من عصمه الله ، والسالم من سلمه الله .
وأكثر ما يؤلم الطالب المجتهد أن يفاجئ بزميله الكسول ، ورفيقه الخمول ، يساويه فـي درجات المنهج الدراسي ، ويضاهيه بالمعدل التراكمي ، فتسقط عنده قيمة الاجتهاد ، ولا يبتهج بعبارات التفوق وشهادات النجاح ، لأن قرينه ليس من أهل الفلاح ، ولا يعادله فـي الجد والكفاح .
ولقد ترتب لهذا التساهل عوائد خبيثة ، ومخرجات منتنة ، نراها فـي هذه الأجيال التي بين أيدينا ، والنشء الذي أمام أعيننا : سارية أعلامهم مكسورة ، وأفهامهم سقيمة ، يتعالمون بلا علم ، ويتسابقون بلا زاد ، قد أشابوا المجتمع صغارًا ، وأمرضوه كبارًا .
وأخيرًا - قارئي الكريم يجب على كل معلم ابتلي بمثل هذه القاذورات أن يبني أساسه من جديد ، مراعيًا فيه ربنا الحميد ، فيُعطي كل ذي حق حقه بالعدل والإنصاف حتى يسلم يوم الوعيد .

 0  0  852
التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

حسين بن حسن عبده آل هادي

الشيخ فيصل بن محمد آل امخالد

الشيخ فيصل بن محمد آل امخالد

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )