• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 09:17 صباحًا , الخميس 25 صفر 1441 / 24 أكتوبر 2019 | آخر تحديث: 02-21-1441

د. حمزة فايع الفتحي

في ملف حقوق الإنسان..!!

د. حمزة فايع الفتحي

 0  0  1.3K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

يتعاظم الحديث هذه الأيام عن قضية (حقوق الإنسان) في العالم، بسبب علو سلطان الظلم هنا وهناك، واحتداد الحروب في غير ما مكان،!! وانفراط العدالة الدولية، وتسلط الكبراء على الضعفاء، وضخامة الحرب على الإسلام وشعائره، وتعمد التهميش لمناطق كثيره من العالم، واستبداد طبقات برجوازية بأكثر خيرات الأرض، وحرمان الفقراء والمسحوقين منها، فضلاً عن محاولة إلحاق هذه الإساءة ومظاهر ذلك الظلم إلى الدين الإسلامي الرشيد، الذي جاء لتحرير الإنسان وإغنائه، ورفع مكانته كما قال تعالى : (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ) (الاسراء :70).
بل زاد على ذلك (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم).(التين :4)
في مظاهر وصور، لا تحصر عن التكريم الإلهي للإنسان، حيث حرم ظلمه أو حبسه أو بخسه، أو إهانته بغير وجه حق كما قال تعالى :
(إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) (الشورى :42).
وقال سبحانه : (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النحل:90).
في نصوص كثيرة تحوط الإنسان بالرعاية والعدالة، وضمان الحقوق..
وذلك في السياق القرآني، أما (السياق النبوي)، وبسبب اتساع السنه الشريفة، باعتبارها كاشفة ومفصلة لمجملات القرآن، فقد أتت بالعجب العجاب، مما يتشدق به العالم اليوم عن الحقوق الإنسانية، ورفعت الإنسان إلى منازل علية، وصانته عن كل لوثة ورزية.!!!
بل قد تجاوزتهم في سبقها، بهذه الحقوق منذ (14) قرناً، وهم اعترفوا بهذه الحقوق وشرعنوا لها سنة (1949م).
فميثافهم يكمل الآن (59) سنة،!! فهو لايزال ناشئاً ومبتدئاً بالنسبة لما احتواه الشرع الإسلامي من حقوق جمة، ومواثيق ضخمة، سجلها من قديم الزمان، ودعا البشرية جمعاء إلى احترامها وتقديسها، وعدم ظلم الإنسان أو إهانته...!!
ولذلك كانت البشرية قبل هذا التاريخ الإنساني الحديث، تعاني مراره الحياة الظالمة، والقسطاس العدائي، الذي يقسم الناس في ألوانهم، ومناصبهم، وعرقياتهم، وشُنت حروب كبرى، واسُتبيحت أعراض وكرامات، ونُهبت أموال ومقدرات، بسبب المظالم الإنسانية المشتعلة، وفقدان الناس للمشكاة الإلهية الهادية.
ومع يقينهم بهذا الحقوق الآن، وصدورها قبل (59) سنة، لايزال الإنسان مظلوماً منحوساً مَهيناً.. في ظل هذه القوانين الوضعية، التي لا تفقه ميزان العدالة، وتخص به جنساً، أو دينا غير دينها..!!
فمثلاً أكثر المجتمعات المتضررة من مشكلات انعدام الحقوق، هي المجتمعات الإسلامية، وغالب المجتمعات الفقيرة من بقاع العالم!!
فهذه الحقوق، تحسب وتمارس لصيانة (الإنسان الأمريكي والأوروبي) فحسب!!
فلا مقام لحقوق العربي أو الأسود الأفريقي، والشرقي أسيوي، والأسمر الأمريكي اللاتيني وأشباهم !!
بل نجد النفَس العنصري، شديداً وواضحاً في إدارة ملف حقوق الإنسان!! رغم فضائح الإعلام المتكررة، وصيرورة العالم كقرية واحدة .. وتتضاعف هذه العنصرية ضد كل ما هو إسلامي على الخصوص، وأسباب ذلك مايلي:
أولاً : الخوف من المد الإسلامي المنتشر، الذي أضحى غازياً لأوربا وأمريكا، وما حرب المآذن والنقاب إلا شكلا من أشكال هذه الحرب...!!
ثانياً : اعتقادهم بسيطرة الإسلام من جديد، وعودة الحضارة الإسلامية الراهنة فيضعون أمامهم العراقيل لتأخير ذلك كثيراً.
ثالثاً : امتلاء نفوسهم بالبغضاء تجاه الإسلام والمسلمين، بحيث لا تطاوعهم نفسياتهم على تسخير العدالة الإنسانية للعرب والمسلمين.
رابعاً : رسم صوره تشويهية للدين الإسلامي، حتى ينفر منه العالم المتمدّن، ويسمونه بكل صور التوحش والهمجية، ولذلك يكثر عندهم الحديث عن (ظلم المرأة) ووظفوا أذناباً لهم، يجرون في هذا السياق، والله المستعان...
وبرغم ذلك كله، قد تجد بعض ضعيفي النفوس، معجباً بهم وبطروحاتهم، ويغتر بمدنيتهم الباذحة، وعدالتهم الزائفة، وكثرة ترداد (مصطلح حقوق الإنسان)، وأنه لا يوجد كتاب فقهي يشمل (هذا الباب) !!
ويسهم الخطاب الدعوي في ترسيخ ذلك، بسبب قصوره، وتجاهله لهذه الحقائق، وعدم تنصيصه على حقوق الناس ومطالبهم، خلا حديثه المتكرر عن حقوق الدول والحكومات، واحترام الأنظمة.. ونسي الإنسان المهان في بلد إسلامي وعربي، يصدع بالقرآن، وبغص بالثروات والمكتسبات!! وهذه خطيئة يتحملها الخطاب الدعوي، الذي يلاحظ ظلم الإنسان وحرمانه من حقوقه، ولا يتحدث عن ذلك، بل ربما شرعن مثل تلك المظالم والتجاوزات باسم الطاعة الشرعية، ، والمصلحة العامة، وأحاديث يجعلها في غير سياقها، ولا يذكر معها أخواتها الحقوقية والإنصافية !!
ولذلك أحببت أن أرسم هنا (خطاً دقيقا) عن هذه الحقوق وعبر (السنه النبوية)، ليكون رسالة للأعداء، تعرفهم بديننا، وتذكيرا للأحياء المتجاهلين، لهذه الرسالة النبوية الحقوقية، والتي ضمنت كرامة الانسان، وأتاحت له كل الحقوق المطلوبة هذه الأيام، بل زادت عليها أشياء لم تُذكر من قبل ولا الآن، ومن ذلك:
(1) حق الكرامة الإنسانية :
قال صلى الله عليه وسلم : (أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا الأسود على أحمر إلا بالتقوى).رواه أحمد بإسناد صحيح.
هذا الحديث أصل في تكريم الإنسان كما قال تعالى (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ) (الاسراء: 70) وهم ينتمون إلى رب واحد، وإلى أب واحد، هو آدم عليه السلام، ولا كرامة لأحد على أحد بفضل اللون أو العرق أو النسب، ولكن الكرامة بالتقوى والدين.. كما قال تعالى : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات:13) وقوله صلى الله عليه وسلم، (أكرم الناس أتقاهم)
(2) حق الحياة:
قوله صلى الله عليه وسلم : (لن يزال المرء في فسحةٍ من دينه، ما لم يُصِب دماً حراماً) رواه البخاري.
هذا الحديث أصل في تحريم قتل النفس، وأن الأصل في الإنسان الحياة، وليس الموت، خلقه لله لعبادته، ولعمارة الأرض على منهج قويم، ليس له أن يقتل نفساً بغير حق، ولا أن يقتل نفسه، أو ينتحر بسبب أكدار الحياة ومنغصّاتها كما قال تعالى (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) (النساء: 29)، بل نهى الشارع الحكيم، حتى عن تمني الموت لضر نزل بالإنسان. وهذا دليل راسخ على فضل الحياة ومجاهدة النفس على عمارتها بالحق والنور المبين، وذلك هو مادة السعادة فيها...
(3) حق العيش الكريم :
ما جاء في صحيح مسلم عن أبي عثمان قال: كتب إلينا عمرو ونحن بأذربيجان ياعتبةَ بن فرقد، إنه ليس من كدِّك ولا كد أبيك، ولا من كد أمك، فأشبعِ المسلمين في رحالهم، مما تشبع منه في رحلك، وإياكم والتنعم، وزي أهل الشرك، ولبوس الحرير).
قال القاضي عياض رحمه الله في إكمال المُعْلم : (يعني إدرار أرزاقهم ، وقسم مال الله عليهم، ولا يؤثر نفسه عليهم، بلين العيش ولا كثرة مثول).
(4)حق نصرة المظلوم :
قوله صلى الله وعليه وسلم (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) أخرجه البخاري .
هذا حق إنساني واجتماعي، يقوم به الخيار العدول، لحماية المظلومين والمستضعفين، والترافع عنهم، واسترداد حقوقهم ممن ظلمهم، أو غشهم، وذاك دلالة على رفض الظلم، وتسلط الأقوياءعلى الضعفاء، الذين قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيهم (أبغولي ضعفاءكم، هل تُنصرون وترزقون إلا بضعفائكم، بدعائهم واستغفارهم)، وأمر صلى الله عليه وسلم، أصحابه بسبعة أشياء، منها (نصر المظلوم) .

(5) حق الاختيار :
قوله صلى الله وعليه وسلم : (ياوابصة، استفتِ قلبَك، البر ما أطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب، أو تردد في الصدر، وإن أفتاك الناسُ وأفتَوك). أخرجه أحمد بسند صحيح .
هذا الحديث أصلٌ في حق الاختيار الشخصي للإنسان، ونفي محاكاة الناس أو تقليدهم، ولكنه صالحٌ في القلب السليم والمستقيم، حيث لا هوى ولا تمنٍّ أو شهوة !
قال القرطبي في المفهم : لكن هذا إنما يصح ممن نوَّر الله قلبه بالعلم، وزيّن جوارحه بالورع، بحيث لا يجد للشبهة أثراً في قلبه، كما حُكي عن كثير من سلف هذه الأمة.. ومما يؤكد حق الاختيار أحاديث استئمار الأيم واستئذان البكر كما قال (الأيم تُستأمرَ، والبكر تُستأذن) وقال لبريرة في قصتها المشهورة مع زوجها مُغيث لو راجعتيه . قالت : يا رسول الله أتأمرني؟ قال: إنما أنا شافع , قالت: لاحاجة لي فيه) رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه قال (ذاك مغيث عبد بني فلان - يعني زوج بريرة- كأني أنظر إليه يتبعها في سِكك المدينة يبكي عليها )!!

وغير ذلك من الحقوق التي كفلها الاسلام، وشعت بها السنة النبوية الشريفة، ولعل ذلك يكون مقدمة الأربعين الحقوقية في الاسلام ، والله الموفق...............


 0  0  1.3K
التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )