• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 12:37 مساءً , الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016 | آخر تحديث: منذ 5 ساعة

د. حمزة فايع الفتحي

حكايات مصرية..الأخيرة..!!

د. حمزة فايع الفتحي

 0  0  1.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

ليلة الهروب من مصر
عَسَى الْكَرْبُ الَّذِي أَمْسَيْتَ فِيهِ// يَكُونُ وَرَاءَهُ فَرَجٌ قَرِيبٌ
فَيَأْمَنُ خَائِفٌ وَيُفَكُّ عَانٍ // وَيَأْتِي أَهْلَهُ النَّائِي الْغَرِيبُ!
الناجي من الموت، كالمولود من جديد، وكالفالت من الهلكة..!! وهذا ما حصل لنا......
وهنا نسيت أن أشيد بدور السفارة السعودية في تجميعنا في فندق (الماريوت) وترحيلنا إلى بلادنا ، ورغم اللخبطة الإدارية الواقعة ابتداء .. السفير ناظر وكلامه بفجاجة مع شاب سعودي.. وطالبة كذلك في قسم النساء مما يبين عن عدم تقديره لمسئوليته ، وتعامل بكل استعلاء وصفاقة مع أناس خائفين بأسرهم وصغارهم وقواريرهم!!
وقد سيقت حملة هذه الأيام لإسقاطه ، ومنها مقاطع يوتيوب لكشفه، وبيان عدم وفائه بواجبات السفير ...!!
وشخص آخر من السفارة أظنه مدير مكتبه ، يقول: لسنا كالكويت ولا الإمارات !!
يعني كأنه بالبلدي يقول ... النفط مخلّص .... والمال شحيح.. !! والتمثيل الدبلوماسي في مصر محدود!! والمملكة تحتضر اقتصاديا!! ، فاصبروا علينا .!!!! وهذا لا يكاد يصدقه عاقل!
وهو الذي قالته المرأة السعودية للسفير..
(المملكة لها إمكانات جبارة ) ! فرد الدكتور ناظر: شوفي حلول انتِ!!!
فأين سرعة الترحيل ، وسعة الفنادق، وحل الأزمة ؟ !
المهم راقبت ذلك للوهلة الأولى ،ثم تنحيت على طاولة خاصة ،ولم أبحث عن وساطة ومعرفة كما صنع آخرون، واهتمام بعض موظفي السفارة بأقاربهم!! رغم وجود بنت مريضة لدي، ألمحت لبعضهم، فلم يعِ، وقد كان التخبط واضحا، وكنت موقناً بالفرج، ودعوت بكوب الشاي ، وجلست أستنشق نسمات الحرية ، ومزاهير انتصار الإرادات الشعبية ....
والله الموفق ،،
وقد كنا وصلنا إلى الفندق الساعة التاسعة صباحا من يوم الأحد 27 صفر 1432هـ، الموافق ثلاثين يناير2011م ، وقد كان وصولنا عجيبا خاطفا مع الصعوبات المواجهة، حيث نزلت الرواتب قبلها بيومين، ولم يكن معي شئ البتة، واليوم السابق لاحظنا الصرافات مكسرة، ولا أملك شيئاً!!
فظللت باحثا حتى وجدت صرافا معزولاً في خط فرعي من شارع جامعة الدول فسحبت منه 500 جنيه ، ولم يكن عليه زحام..
لم أتوقع انفجار الوضع، وصيرورتنا للهروب،!!!
وفي الظهر اشتد التوافد على التحرير، فأعلنت حالة الطوارئ، واضطرب الناس، فذهبت اشتريت كمية من الخبز والسكر والأرز والحليب، لأنني توقعت أسوأ الاحتمالات! ولم يتبق من المال إلا 300 جنيه! جلست أترقب.. دخل المساء، تأهبت للأشرار، كان يوم السبت ليلاً صاخباً بالرعب، وطلقات الجيش، وتحس أنك أمام حرب مفتوحة في الشوارع.. اللهم استر.. تسلحنا بالدعاء والذكر.. الأبناء يضحكون ويرتعبون! يزن جاءته مثل الفرحة الشديدة، وبدا كمعلق على الأحداث... يردد وتحدث التاريخ بالتغيير.. الله اكبر... الله اكبر...!!
شئ مثير للذهول..أحاول إسكاته وهو عند الشرفة، فيضحك..
يظنون أنهم في مشهد تمثيلي!! وقد جعلت من كلماته تلك مطلعا لقصيدة لاحقاً:
يتحدَّثُ التاريخُ بالقوم الألى
صنعوا الجلاءَ وأشلعوا التغييرا

شِيبٌ وفتيانٌ وصفُّ تلاحمٍ
لن يُوقَفوا حتى يرَوا التنويرا

وأُسيد لما رأى معركة كبري قصر النيل، وتراشق المتظاهرين مع الشرطة، ورشهم بالماء، استحضر فلم الشهيد (عمر المختار) رحمه الله :
إنه يريد الجسر عرفنا حركته!! فضحكت والألم يعتصرني..!!
مشاهد مشتبكة بالضحك والحزن، والهدوء والرعب، ولا تدري مالصنيعة؟!!
رجعت التليفونات بصعوبة، والهواتف الثابتة لم تقطع، وهي التي حدثت أهلينا بأنا لازلنا أحياء، والحمد لله على كل حال..
وفي صباح الأحد، الساعة الثامنة تقريبا اتصلت على أرقام ساخنة للسفارة، نشرتها قناة العربية، فسألته، أيش الوجهة؟! فقال: تريد تسافر تروح على فندق الماريوت، أو تنتظر، فقلت عندي أطفال، والأمر مخيف!
فقال: والله براحتك.. كان الأمر غامضا جدا، وغير واضح، وخشيت الاحتراب الداخلي، أو حصول حالة اللا دولة، فقررت الذهاب إلى الفندق..أين هو؟
قال : على طريق السويس.. لا أعرفه من قبل! المهم توكلت على الله.. واتصلت على الفندق، للتأكد من العنوان، فردوا مشكورين، ولم تكن حالة الاسترخاء بلغتهم...!
نزلت بالأولاد وحقيبتين خفيقتين، وتركت كل أوراقي وتراثي العلمي والشعري، واكتفيت بالمحمول، النجاء، النجاء...
وحملت حديدة عثرت عليها من بقايا مكانس الشقة، ولم أخبر أحدا بمغادرتي، صباحا بكل هدوء..حركة الاتوبيسات جيدة، والتكاسي قليلة، أوقفت اثنين فاعتذرا.. !! وكنت ليلتها اتصلت على سائق المدرسة فلم يرد، فعذرته بحصول حالة الاضطراب ... !
انظر في الشكل، فإن طاب وإلا فلا..فجاء شاب لا تدري ما حاله، وافق سريعا واشترط 70 جنيها، ولوقال أكثر لما رفضت!
فالوضع لا يسمح بالتأخر الزائد، بعض زملائنا راحوا للمطار مباشرة..
أما أنا فانضممت للسفارة، في الفندق والتشاور هناك..
وصلنا بحمد الله، بعد أن سألنا قليلا عن الطريق، وما إن دخلنا الفندق، وفتشت السيارة حتى شعرنا بالأمان، وأنزلنا حقائبنا، وتركت الحديدة التي حملتها للوقاية، للتاكسي ، والتي صارت بعد ذلك شكلا للسخرية والتندر من ابنتيّ رزان ولميس ..بابا.. ليش ، يستفيد منها التاكسي.. يقاتل بها.. ليش ما تأخذها يا بابا.!!
فرأينا أبناء الوطن، فانشرحت صدورنا، فسجلنا أسماءنا، وقلنا نموت هنا معهم!! الاستقبال جيد، والخيار جدة أو الرياض..! فقلنا جدة، أقرب لمحائل، وفرصة نعاين السيول الأخيرة!
أدخلونا لقاعة الإفطار، فوجدنا الناس قبلنا منشرحين، فخففت عنا، وانبسط الصغار، وبدا التخطيط للسفر..
ازدادت الأعداد، وضعفت الخدمة، واشتغلت (الواو)، وفوجئت بشباب من الأمس لم يسافروا، ونوموهم في المطعم، رغم الجو الشاتي!! جلسنا ننتظر، والتحرير يسخن.. ويسخن، وبلغنا قدوم مشيخة من الأزهر لموآزرة الثوار.. وحركة الطائرات قليلة، والزحام في المطار كما يقال كظيظ..!
بعد العصر ونحن نرتقب أحس الأبناء بالإجهاد، وقالوا نريد غرفة للراحة، فقلت: ما جئنا لنرتاح، لابد أن نركب بأي ثمن.. لو ذهبنا في هذا الجو المضطرب لن يسأل عنا أحد، لا سيما وقد بانت اللخبطة الإدارية.. رغم تسجيلهم الأسماء!!
المهم أننا انتظرنا وانتظرنا، حتى أحست السفارة بسخط الناس، فاشتدت حركة الطائرات، وقالوا بعد العاشرة مساء: لا تخافوا سيركب الجميع...
وبالفعل صعدنا إلى الطائرة الساعة 2 ليلاً، وقد أجهدنا إجهادا لا حد له، وكان صعودنا إلى الاتوبيسات المخصصة عسيرا قليلا، حيث الاستعجال، وحملان العفش، والأطفال، والخوف المصاحب، وبكاء سليل الرضيع الذي لم يسكت حتى ركبنا الطائرة، أوقفتنا كمائن الجيش المصري، وفتشتنا بصرامة، في هدأة من الليل، والوجوم، والمشهد المخيف يخيم علينا، وتتوقع اعتداء أو قذيفة من هنا أو هناك..!
المهم وصلنا المطار، ولم يكن بعيدا، لكن فوجئت بخفة الرجل، وكأنه لا يوجد أحد أو سوانا!! هل سافر الناس كلهم؟!
واستطاعوا تخفيف الزحام الشديد الذي تنقله الفضائيات...! اصطففنا للتسجيل، ولم يكن معنا إلا ورقة بيضاء مختومة بختم السفارة، والجواز فقط..! الموظفون قلة، وعليهم الكسل والكآبة..! تحس بالانهيار العام، والكل يخدمك بتضايق، وانت تحمل همَّ من معك..!!
وصعدنا للصالة المهيأة للسفر.. ولم يحضر الموظف المختص، وجدت امرأة واحدة، ورفضت البدء في التفتيش حتى يحضر الزميل الآخر، سكتنا ، البعض حاول يصنع مشكلة، بكاء سليل يتصاعد، أخرجونا للتفتيش، وامرأة حضرية تهدد: لو ما جاء الموظف .. والله ما يحصل لكم خير..!
ضحكت في نفسي.. وقلت هل هذا وقت التهديد؟!
لو طلبوا مالا لأعطيتهم..جاء الزميل المنتظر، واختفت عني بطاقات الطائرة، أقلب هنا وهناك..مشى الناس..وآخر يقول ابحث كويس، يمكن راحت هنا ولا هنا..معي حقيبة الجامعة..وضعتها وبدأت البحث وعثرت عليها.. وسليل المصري، لا تزال أناته تطربنا في ذاك الجو القاتم بالمناكد!!
ركبنا الطائرة تقريبا الساعة الثانية والنصف ليلاً، أو تزيد، خالطتنا الفرحة جميعا، كانت الرحلة ممتعة ومستعجلة، استبشر الجميع، والملاحون كانوا على قمة اللياقة الأدبية، ومدركين أوضاع الناس..
صعدت الطائرة للجو، فكأنما ولدنا من جديد..
وأحسسنا أننا أفلتنا من مصر الثورة والانهيار.. ووصلنا جدة قرابة الحادية عشرة تقريبا، فذقت نعمة الأمن، وأحسيت أنني أرشف أمناً وعصيرا، وألتهم نجاةً واستقرارا، ولا أظن الهرب يحمد إلا في مثل هذه المواقف...!
منظر جدة كان يحمل على السرور والبهجة، رغم دنو الظهر اللاذع، ووجود آثار السيول المحزنة، وأظنها الكارثة الثانية...!
قال الأولاد: نرتاح يا بابا قليلا..! فقلت: وقد بيّت المغادرة إلى محايل..!
تبغون السيول تجرفنا.!!
بإذن الله ما نتعشى إلا في محائل، آنستي، آسِرتي الجميلة...!!
تذكرت مكتبتي..والديّ..الرفقة..أصدقائي.. مشاريعي..الجو الساحر..أسرار تخالجني لا أستطيع تأخيرها....
لم تكن المعارضة من الأسرة قوية.. تاكسي للنقل الجماعي وهناك جيب نيسان جديد ..مع شاب مهذّب يسترزق الله..وبستمائة ريال .. وما حضر العِشاء إلا ونحن على الطعام، المعد سلفا من أهل الزوجة الكرام..والحمد لله على الأمن والنجاة............ذكريات لا تنسى، وأشرف أن أكون أحد شهودها,,,

 0  0  1.1K
التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 12:37 مساءً الجمعة 10 ربيع الأول 1438 / 9 ديسمبر 2016.