• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 01:28 مساءً , الجمعة 22 ذو الحجة 1440 / 23 أغسطس 2019 | آخر تحديث: 12-20-1440

د. حمزة فايع الفتحي

امتلاك الهم الثقافي ..

د. حمزة فايع الفتحي

 3  0  2.1K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
(امتلاك الهم الثقافي...)

إن إذاعة حب العلم والثقافة في المجتمع، والحرص على دوام التعلم والفائدة، يمكن لها أن تخلق رموزاً مثقفة تسوق للمجالس الثقافية، وتفكر في تبنيها، إذا توفرت لها أسباب الدعم ، لا سيما وأن آثارها على المجتمع حيوية ودفاقة وستدفع بعجلة الإصلاح والارتقاء فيه.
وزراعة الهم هنا دور عظيم، يستطيع العلماء والمفكرون والمؤسسات التعليمية غرسه في الناس، من خلال تحبيب القراءة وقيم المعرفة، وحب الإبداع والابتكار وتأسيس الصوالين الأولية، وتحويل الاستراحات إلى مقاصد ثقافية سيعلي من هذا الهم، وسيصنع رموز الثقافة المحبة للتلاقح الثقافي، والتحاور المعرفي، الذي سيؤصل لمجالس أدبية، تعيش الأحقاب من الزمان. ولكن من الذي سيعلق الجرس؟!
لابد قبل تعليق الجرس، أن نصنع أجواء مناخية تغذي هذه الفكرة، بحيث يتشربها أكثر المتابعين، ولايعجزون بعد ذلك عن المبادرة، بل سيتنافسون فيها تنافساً حثيثاً (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون).
العملية الثقافية والمعرفية في تسارع شديد، وما يقرأه الإنسان يومياً لا يأتي عشر معشار ما تصدره ثورة المعلومات الحديثة! مما يعنى ضعف التحصيل الذاتي لدى المثقف العالمي، فضلاً عن العربي ، الذي يٌعيّر بقلة الاهتمام التثقيفي، ولذا لابد من المسارعة هنا بأخذ زمام المبادرة لمن لديه حظوة اجتماعية أو علمية أو مالية، ويسبق إلى أن يحيي هذا المسار، بتبني منتدى تثقيفي لأبناء البلد، ولو بدأ نخبوياً سيتطور مع مرور الأوقات.
وبإمكان كل ذوى مهنة وصنعة، أن يبدأوا - عبر استراحاتهم الترويحية- أهل المعرفة، والأدب والشعر والفكر والقصة، وسائر الدوائر المجتمعية، التي يحتاجها الناس، يثقفون أنفسهم بتخصصاتهم، ثم يفرغوا ماعندهم من خفايا الإبداع الثقافي والنهم المعرفي، الذي يتمثل في :
(1) شاعر رصين.
(2) مصلح اجتماعي.
(3) قاص مبدع.
(4) كاتب جذاب.
(5) صحفي فريد.
(6) متحدث لبق.
وأشباهها من المنائر الثقافية المفيدة للمجتمعات المسلمة.
ولا شك أن المبادر الأول سيحمل تبعه ريادة الثقافة، والنهوض بها، وإدارة مناشطها، إلى أن تصبح كتلة ثقافية متجانسة، تستقل بأدوارها وبرامجها الفكرية والانتخابية، التي من الضروري تفعيلها يوما من الأيام.
ولكن البداية هي تقلد (زمام المبادرة)، واحتمال تبعاتها التي ستضفي جمالية على الصانع الأول، والمؤسس المتقدم.

اللقاء الإنساني طبيعة بشرية لابد منها، ومن المستحسن والحيوي تفعيله في إطار الاستفادة والمثاقفة، بحيث ينطلق إلى أفياء الفكر والعلم، وينعتق من زيوف التقليدية والسطحية والضحالة، ويصبح الأداة الثقافية المحركة لأبناء المحافظة أو المنطقة.إن المنتديات الثقافية والصوالين الأدبية ذات قيمة فكرية وإبداعية إذا ما فٌعِّلت ومورست بأداء إداري راق ومسئول ، يحرص على لمّ الشمل، وتوحيد الصفوف، وتفجير الطاقات ، وإشعال الهمم والعزيمات.
وليعلم أن هذه المجالس ليست وليدة العصر الحديث، بل هي قديمة قدم التاريخ في الأمة العربية والإسلامية ولم تزل مجالس الشعراء والندماء والحكماء منعقدة في سائر الأزمان وهي منطلق الثقافة. ومبعث الاعتزاز، ومحل الترويح والتنفيس، فعرف العرب في العصر الجاهلي الأسواق الأدبية، كسوق عكاظ الذي كان يفد إليه الشعراء من كل مكان يطرحون فيه قصائدهم. وأظن لولا مثل هذه التجمعات والمنادمات لما حُفظ شعرهم، ونُقلت إلينا فرائدهم، وتواصل ذلك في العهد الإسلامي، وكان للخلفاء والعلماء مجالسهم العلمية والثقافية، بل إن المحدثين رحمهم الله، كانوا يختمون مجالس التحديث بالقصيدة، والنادرة، للتخفيف عن التلاميذ والحاضرين، حتي قال الحافظ العراقي رحمه الله:
واستُحسِنَ الإنشادُ في الأواخرِ
بعد الحكايات مع النوادرِ

وهذا يفيد انقلاب الدرس العلمي إلي مسامرة ثقافية، تروح على النفوس، وتحرك المشاعر، وتذهب السآمة والمتاعب.
وكان اللغويون والنحاة والشعراء على عناية فائقة بهذه المجالس، وقد حفظ لنا التراث كتباً تحكي شيئاً من ذلك كالامتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي، ومحاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني، والأغاني لأبي الفرج، والفنون لابن عقيل الحنبلي وغيرها، واشتهرت الأندلس بمجلس ولادة بنت المستكفي، ولم تزل هذه المجالس مستمرة حتي في عصور الانحطاط والضعف، إلي أن عُرفت في العصر الحديث، فكانت هناك مجالس ثقافية في منازل الرافعي والعقاد ومحمود شاكر وسيد قطب، واشتهر صالون مي زيادة، وغيرهم.
وفي المملكة اشتهرت صوالين معينة كالصبان والمبارك وخوجه،وارتبطت مسمياتها بالأيام، ولا شك أنها دفعت بالحركة الثقافية وأغرت آخرين بالانضمام لركب صناع الثقافة، ومحبي الفكر والأدب.
وهي تتكاثر وتزداد في المملكة بشكل ملحوظ، وباتت تُمنح لها التصاريح من الجهات المسئولة، والعجيب أن السفراء الأجانب بالدول العربية دخلوا على خط الصالونات الثقافية، حيث نشرت بعض الصحف المصرية أن السفيرة الألمانية في القاهرة وتدعى مي اربل أسست صالوناً ثقافياً شهرياً، وبـدأ العمل في، ويحضره كبار الضيوف، وهي مجيدة للغة العربية، وهذا يعود إلي إدراكها لأهمية مثل هذه الندوات، ولعظم الحركة الثقافية في مصر التي أحبت أن تطبع عليها بطابع، وتذكر يوماً من الأيام، والله المستعان.
والمقصود أن هذه المنتديات ليست ببدع من الأمة، بل لها امتداد تاريخي فسيح، يربط الحاضر بالماضي، ولا تزال تتطور وتظهر عليها التجديدات، والمهم لبلدنا جريانها في الإطار الإسلامي والوطني، وتجاوزها للأخطاء السابقة، ومحافظتها على الفضائل والقيم، لأننا في النهاية مسئولون عن الكلمة، أمناء على الفكرة، محاسبون يوم الفصل والمكاشفة
( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلي الله)
وما أحلى استدعاء التاريخ، واستلهام أثره، وتجديده وتطويره إلي أن يصبح جنة مزاهر وارفة، وبستان مفاخر يانعة، لا تزال تنضج وتثمر، إلى أن تطعم الجيل أطايب المعارف، ونفائس المعلومات الماتعة.


 3  0  2.1K
التعليقات ( 4 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    10-06-1432 03:54 صباحًا محمد الدارسي :
    لافض فوك ويكفيني الشرف بأنني من طلابك بجامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية بأبها
  • #2
    10-05-1432 08:27 صباحًا أسير الشوق :
    شكرآ ع الموضوع الرائع جدآ
    وشكرآ للصحيفة التى عملة حتى ووصل بين آهالي محايل
    وشكرآ للدكتور الرائع الذي قلمة أنور الصحيفة
    و السلام عليكم
  • #3
    10-04-1432 03:05 صباحًا كونان :
    قبلَ أن نمتلك الهمّ الثقافي , علينا الآن بالهمّ التوعوي.!!
    شاكرين لك دكتورنا
    وجميل جداً أن
    أقرأ لكَ مقالاً في هذه الصحيفة
    • #3 - 1
      10-05-1432 08:38 صباحًا صولة الحق :
      السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
      كلام جميل له روابط الحق وسعة المعرفه من دكتورنا الفاضل وبصراحه لقد وعيتنا وانرت طريق الثقافه وذكرتنا بسوق عكاظ وجلساته الادبيه اتمنى ان تصل هذه الافكار للجميع لنتبنى مثل هذه المجالس التي حضورها فقط يعتبر مدرسه وفائده كبيره

      ونشكر صحيفة محايل على اهتمامها بثقافة القراء
  • #4
    10-04-1432 02:28 صباحًا حسين عسيري :
    ماشاء الله تبارك الله

    يوجد لدينا دكاترة في محايل شيء يدعو للفخر

    شكرا لهذه الصحيفة التي استقطبتهم

    يادكتورنا الهم الثقافي لم يعد هم لأحد
    حتى النخبة لم يعد يهمها ذلك

    نتمنى ان يستمر مثل هذا الدكتور الرائع

    من العايدين

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )