• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 04:27 مساءً , الأربعاء 16 ربيع الأول 1441 / 13 نوفمبر 2019 | آخر تحديث: 03-14-1441

د. حمزة فايع الفتحي

حنايا قلم(٤٥) كم ذَا يكابد عاشقٌ ويلاقي ..!

د. حمزة فايع الفتحي

 0  0  324
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
كابدَ المحبون وعشقوا مصر إسلاماً وعروبة وفكرا وأدباً، ونيلا وغرابةً...!
وكما هم مكابدون معيشيا، يكابد العشاق في حبهم وحب بلادهم ومنجزاتهم الثقافية...!
وصح فيها البيت السائر، والكلِم الذائع :
كَم ذا يُكابِدُ عاشِقٌ وَيُلاقي... في حُبِّ مِصرَ كَثيرَةِ العُشّاقِ
إِنّي لَأَحمِلُ في هَواكِ صَبابَةً..يا مِصرُ قَد خَرَجَت عَنِ الأَطواقِ...!

ولَم يكن هو ابتداءً حريصا على الزيارة لها، لما أشيع عنها وقيل، وحينما فُرضت فرضا، وتحتمت حتما، لم يعد باليد حيلة، فقد فرضت جامعتنا الموقرة الملك خالد، قانون الابتعاث الخارجي زمن الدكتور الراشد والدكتور آل هيازع، وحاول أبناء الشريعة الحيلولة دون ذلك، وتعذرنا بالظروف العالمية، وكِبَر الأبناء، ولكنهم أصروا إصرارا، وزادوا على ذلك عِندا وإشهارا...!
فأحضر صاحبكم قبولاً من (جامعة أم القرى) فرُفض، ثم من (الأردن) واعتذروا بخلاف وقع بين الوزارتين ...! وقبلها تعقدت أمورنا في جامعة الإمام إداريا، وتغييبها للفروع وقد أشير إلى ذلك سابقا...!
ثم تداركنا الله بقبول سريع (من كلية دار العلوم جامعة القاهرة) ، فانبلجت الأسارير، وطُمست التوترات والمحازن . وشرع في الترتيب والتهيئة ..!
واتصل بالدكتور عبد الفتاح عثمان رحمه الله وكيل الدراسات العليا آنذاك، وسبقني أخونا د أحمد حسن، وبعض الزملاء، وكان رد دار العلوم لطيفا وسريعا، ورحبوا بمعيدي الجامعة، وكان ذلك في آخر العام الدراسي، خلافا (للأزهر)، الذي عقد الأمور، واشترط أوراقا مصدقة، ولَم يعتبر انتسابنا للجامعة، وإعطاء قبول مبدئي...! واتصل بِنَا د. علي الشهراني حفظه الله عميد الكلية آنذاك ، وطلب مني المرور على أساتذة قسم السنة للتوقيع على المحضر ليرفع سريعا للجامعة .
وبالفعل رُفعت الأوراق سريعا للجامعة، وبدأ التخطيط كيف المواجهة للموقف الجديد، وبرغم سعادة القبول ، قد عز عليه مفارقة الدعوة ودرسها، والجامع وحلاوته، والأصحاب وأنسهم ، وكان في أوج النشاط الدعوي والاجتماعي، ولكن الله قدر واختار لعباده .
وكان لابد من سَفرة خاطفة إلى القاهرة لاستكمال الإجراءات ، وتمت في آخر شهر شعبان تقريبا من العام (١٤٢٥) للهجرة .
وانطلق الركب من جدة صباحا، وحطّوا رحالهم الساعة ١١.٤٠ واستقبلهم هنالك د. مجلّي وفقه الله ، كان يحضر الدكتوراه هنالك في اللغة العربية، واستقبلنا أحسن استقبال، وأظهر من الحفاوة والاهتمام كل حسن وعجيب..!
ثم أخذنا نحو الملحقية الثقافية في (حي الدقي) ، وفِي الطريق لاحت لنا القاهرة بضجيجها وصخبها، وصوت المركبات المزعج..... فوصلنا وبدأوا في إجراءات التسجيل الرسمي، وكان تعاون منسوبي الملحقية رائعا، وأخص منهم الملحق الأستاذ العقيل، والأستاذ إبراهيم العمران ...
وقضينا منهم قرابة الساعة الرابعة عصرا تقريبا، وجمعنا معهم الظهرين...
ثم انطلق د مجلي بالركب نحو المهندسين ، وسكنهم هنالك ، فاستقبل بِنَا (ميدان سفنكس) نحو البرج العالي، واستأجرنا هنالك لمدة ثلاثة أيام تقريبا،،،! ويقولون أن معنى سفنكس، أبو الهول التمثال الفرعوني المشهور ..
وطالعنا في مدخله نسوة شغالات، قد تبسطوا في الشارع عند المدخل، يستقبلون كل داخل وخارج وعابر، وتلحظ عليهم العبوس والعوز والصراخ، ومن الوهلة الأولى نداءات لنا بالدخول والسكنى، فدخلنا وسكنا هنالك فرأينا من أخلاقهن عجبا ودخلا...!

وتبين أن هولاء الشغالات مشرفات على كثير من الشقق، ومعهم سماسرة ، وكان المنظر غير مريح لنا، وتخالطه ضحكات من الشباب ..!
ثم بُعيد العصر، أخذنا الأخ المضياف لمطعم (العمودي) وغدانا بارك الله فيه، وقال: أكلاتهم لا تصلح لكم، وبالفعل كان الوضع في المطعم جميلا... وفِي المساء عاد الجميع للمسكن....! ثم قرروا الخروج ليلا على ضفة النيل، النهر المسموع عنه كل حسن وجمال ولطافة ...
وأخذوا تاكسي ... ومن لا يعرفهم يتعبونه، حتى يكدّروا خاطره...! ووصلوا للمكان المطلوب، وهنالك استنشقوا عبق النيل وطالعوا اتساعه وروعته ، وتفكروا في عبَقه وطوله، وكيف يشق القاهرة ومصر، بل عدة دول،....! وأنه نعمة الله على عباده من المصريين والزائرين ...
والله يا نيلَ الجمال أسرتني/ بالدافقات وكنت فينا أنيسا
رؤياك تختطفُ القلوب وتلتقي/ انظارُنا وتنال منك نفيسا

وأهمَّ الركب التزاحمُ الشديد، والصخب الطاغي، والانفتاح التغريبي الجارف ، وهو الذي شوهد قديماً في أعمالهم الفنية، مما كرس انطباعا سلبيا عن تلك الديار ، مع ظهور الخير فيها .،
وقد قال أحد أساتذة دار العلوم حينما زرناها اليوم الثاني ، وقد أوصانا بالجد، وقال: احذروا أماكن الانحلال ، وقلنا نحن في (حي المهندسين)، قال لا بأسَ، ولكن (حي فيصل) أفضل وأنظف ...
وهذا من مثقفيهم المنصفين، الذي لا يغطي الشمس بغربال، لأن الاعتراف بالخطأ أول خطوات العزيمة على الحل...!
ويعلم الله أنه يؤلمنا ما حل في غالب الدول العربية من ترويج للخلاعة، واللهث وراء الغرب أخلاقيا واجتماعياً ، ولكنها سنة الله في المغلوب ، ومتبعي السنن، الهاجرين لدينهم وهويتهم ، وهو محتوى حديث الضب المشهور ( لتتبعن سَنن من كان قبلكم..)
وسيأتي بيان ذلك في حلقات قادمة، ومحاسن ما يحمله المصريون وغيرتهم على دينهم وعروبتهم، ولكنه واقع لابد من الإشارة إليه، وفرض من الخارج غالبا، وتبدده ندوة لعالم، أو صلاة جمعة أو تراويح، وتفاعلهم مع قضايا أمتهم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون...!
وشدهم كذلك منظر الكدح المعيشي، وحُق لمن شاهد ذلك أن يتحدث عنه ويكتب في العدالة الاجتماعية والفوارق الطبقية، وتباين الناس وخفة دمهم وظلهم، ومسلسل النكت والضحكات ...!
وهو شيء عجيب لديهم، وكأنه امتزج بدمهم وعصبهم، وأذكر قال لي موظف الابتعاث : اضحكوا هنالك ولا تتشددون...!
والمعنى عيشوا معهم بساطتهم، واصغوا لطرائفهم ...! وإلا ستنفرون، وفعلا تم ذلك، واندمج العبد الفقير، وزار جامعاتهم ومنتدياتهم، وأسواقهم الشعبية، والمطاعم القديمة، والمساجد الأثرية ، وعاش متعةً فريدة في ذلك، عبر عنها في بعض الأشعار، بل اختصر ذلك في أربعة أمور، من لم يستطعمها في مصر، ما عرف مصر، ولا شمّ ريحها...:
"مِصرُ" لذَّتْ بنيلِها الفوّاحِ
وبفولِها المفضالِ والرحراحِ!

وبِمقهَى يختصِرُ الحياةَ كأنه
نبعُ الزهورِ ومُلتقَى الأرواحِ

والمشيُ في الطرقِ الِعتاقِ وحارةٍ
حُشِرت بآنامٍ شَدَوا وتلاحي

مَنْ لَم يرَ هذي الأمورَ وحُلوَها
ما زارَ "مِصرَ" ولا أتى بفلاحِ؟!

وهذه الأمور الأربعة هي:
النيل الفواح، والفول الرحراح، والمقهى المستراح ، والسير في الأحياء الشعبية المِلاح..!
وهذه حقيقة متعة مصر الاجتماعية علاوة على ما في أهلها من تبسط، وتثقف والسن صداحة شارحة، لكل ما دق وجل، وما هب ودب، وسيأتي تبيان ذلك كله،.... فالرحلة طويلة، والفائدة جمة، والسفرة فيها عظة وعبرة...! لأن مصر ملهمة لكل ناقد ومثقف...!
وكان يتمناها من قديم، ولكنها تأخرت كثيرا، وكانت ضارة ابتداءً، أو تُوقع ضررها، وقد تزوج المرء، وصار لديه أبناء، واستشعر الشُقة والمَشقة...، ولكن هذا قدر الله تعالى، وهذه مشيئته ...!
ويذكر وهو يطالع بعض كتب الأدب نحو كتاب ( شاعر وقصيدة ) للعماد مصطفى طلاس ، لفت نظره ترجمة عدد غير قليل من الشعراء، درس في القاهرة ، أو في بلد كذا وكذا، أو كان شاعرا مهجريا، لا سيما شعراء لبنان، وتخلدت حياته وفكره خارج وطنه، ورأى نبوغهم في الشعر، وعاش معاناة بعضهم ، فحكى ذاك لأخيه محمد وكان شاعرا، فأفاده أن ذلك مما يشعل الشاعر والمثقف، وتلاقي المجتمعات والتلاقح الفكري ينتج صورا من الإبداع الثقافي،،،! ويتذكر أن ذلك قبل الابتعاث بسنة أو سنتين، قبل توجه الجامعة للابتعاث الجبري على حملة الدراسات الشرعية واللغوية، -على أنه ترجم شهاداته إلى الإنجليزية- وكأن نفسه حنّت لمثل تلك التجربة ، وحلاوة الأدب المهجري-مع الفارق بين العيش في أوروبا وبلد عربي- إلا أن معاني الغربة حاضرة...!
إلى أن حانت اللحظة التاريخية ، والتي فيها يغادر وطنه وأدبه وأصدقاءه ودعوته، التي كان بها شديد الاستمساك ، وقدّر الله له الرحلة إلى جامعة القاهرة، وفِي كلية دار العلوم، والتي حيّاها بعد ذلك بقوله :
وفِي "دار العلوم" عرفتُ داري / وأدركت المؤملَ والمفادا
مدائنُ "للخليل ولابن جنّي"/ وسيبويه كم يلقى إشادا !

وستوضح غالب تلك اللحظات التي عيشت في الكلية وتداعياتها الثقافية، وكيف استطاع ذلك المسافر، جعلها أشبه ما تكون (بالسياحة الفكرية)، التي نهل منها مناهل مختلفة، وظفر بموائد متعددة، وصار المُجتنى من خارج الجامعة، أجلّ وأطيب مما هو داخلها، ولله الحمد والمنة... والسلام.....
١٤٤٠/١٠/١٢هـ

 0  0  324
التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )