• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 06:27 مساءً , الجمعة 15 رجب 1440 / 22 مارس 2019 | آخر تحديث: 07-15-1440

د. حمزة فايع الفتحي

حنايا قلم(٤٢)فاغترِبْ تلقَ عن الأهل بدل ...!

د. حمزة فايع الفتحي

 0  0  233
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
تبقى الأسفار جزءًا من تجارب الحياة ودروسها واكتشافاتها، ولو عبر المسافر عن ملذاتها وفوائدها وعجائبها لما وفاها حقها، لأنها انتقال لمحيط جديد، وخروج بالعقل والثقافة، ورحيل إلى بيئة كانت مجهولة، غلطت فيها أحكامنا وتصوراتنا..! ولما عاينها الإنسان تبين له غلطه واستعجاله وحماسه ... وأن الأمر أهون من ذلك..! وفِي خضم الفوائد يلتقي بشخصيات، ويتعرف على أماكن، ويشاهد كتبا ومكتبات، وقد حاول الرهط اللقاء بالشيخ المحدث الألباني رحمه الله، لولا ماكان من صحته وتعبه تلك المدة....!
فآثروا الانقباض وعدم الإلحاح، ولكنهم ظفروا بشخصيات أخرى، مثل الشيخ المحدث عبد القادر الأرناووط رحمه الله، وقد كان لقاء ماتعا وبين أفانين مكتبته وتحقيقاته، وحدثنا عن الشام ومدنها، والعلماء وقراهم، وسماها تسمية الخبير بها، فانذهلنا وأعجبنا ،.... واعتبرها ساعة عزيزة على القلب...
وقبلها التقى بالشيخ شعيب الأرناؤوط، في مكتبه التحقيقي وبين صحابه ومساعديه، وهو ليس شقيقا للشيخ عبد القادر ، ولكنهم أخوان في الهم والتوجه الحديثي والتحقيقي، ومعنى (الأرناؤوط) لقب ألباني يُطلق على سكان البلقان في أوروبا الشرقية، وأفاد الشيخ شعيب أنهم ألباليون، ولكن الأتراك نحلوهم ذلك اللقب...! وإن كان الشيخ عبدالقادر أكثر هدوءا ولطافة ويحتمل الخلاف، بخلاف الشيخ شعيب تنضح كلماته بالحِدة ويضيق بالنقاشات المغايرة ، رحم الله الجميع....! وكان معي الشيخ حسان الكرمي، وطالب علم جزائري ، استماعه أكثر من كلامه....! وحدثني أنه يكمل الدراسة في دمشق تقريبا....
ومع استحضار فرائد السفر وفوائده تذكرت بيت ابن الوردي رحمه الله:
حبُّك الأوطانَ عجز ظاهرٌ... فاغترب تلقَ عن الأهل بدلْ...!
إذ وجد بديلا بالأهل والصحب والأفكار والأماكن والشخصيات ، واستطاع أن يزور ويستكشف ويتعرف على أوضاع المنطقة العربية، ويسأل عن العلماء والمحققين والأدباء....
وباتت الزيارة الصيفية شبه ضرورية ومهمة له، لا سيما مع تقصير الجهات الدعوية في استثمار الصيف دعويا وشبابيا، ويذكر أنه في أوقات الفراغ ليلا وصباحا يكتب في بعض مؤلفاته ككتاب ( نسمات من أم القرى ) في جزئه الأول تقريبا، وقد اشتهر وذاع بحمد الله تعالى .
ويقضي بقية الأوقات في اقتناص بعض الشخصيات الدعوية والعلمية وزيارتها والتعرف عليها، وظفر بفضلاء أشير إلى بعضهم سابقا، وغالب من زارهم أضافوه في بيوتهم واحتفوا به كنوع من أنواع الكرم البارز فجزاهم الله خيرا...وعموما الشعب الأردني الشقيق شعب كريم وعالي الأخلاق ويتعايش معه الإتيان بسهولة ...
وزار (مدينة الزرقاء) في الأردن عدة مرات وكذلك مدينة معان، فكانت عونا له على إنجاز بعض المهام، ولَم تقل عنايته بالكتب ، فكان حتى إبان الاغتراب يشتري الكتب ويقتني روائع الأسفار ، وحاسوبه معه، وبرامجه العلمية جاهزة للمراجعة والتقييد، وكانت النت لم تشتهر بعد في الفنادق إلا قليلا، فيعاني من التعرف على الأخبار، إلا ما كان عن طريق الفضائيات المعروفة ...!
ودُعي مرة في مزرعة بعض الفضلاء يدعى الأستاذ كحالة، وأفطروا مع بعص الدعاة منهم الشيخ شعيب الأرناؤوط، يوم جمعة، وتمت مناقشات عالية الجودة، ولَم ينصرفوا إلا قبيل الجمعة، ولا زال يذكرها وروعة أجوائها وأحاديثها .....
وكان يحضر لتلكم الأسفار ويعدها نوعا من التجربة الذاتية والمعرفية التي لا فكاك عنها، وباتت شبه سنوية ولَم ينقطع عنها إلا حينما غادر إلى (مصر) لاستكمال الدراسات العليا، وسيأتي حديثها المخصوص وتجاربها الثرية الماتعة....!
ومع التلاقي العلمي وحيازة درر ومعارف مهمة، كان من الدرر والثروات أيضا التعرف على أصدقاء فضلاء وإخوة نبلاء، ساندوا ويسروا، وقدموا ، وهذه من مكاسب الغربة والأسفار، وما ينبغي التساهل فيها لا سيما للفرد، فقد ملأوا حياتنا عونا وحفاوة واعتناء ، وصرنا بهم في غَناء وسناء وضياء، أُنسينا أهلنا وأبناءنا..! ولذا من الضروري صناعتهم وانتقاؤهم، والعض عليهم بالنواجذ، متى ظفر المرء بهم، وليس حسنا الصداقة الباهتة، أو الانعزال البائس وكما قيل أخطر أنواع الوحدة ، يكمن في انعدام الصداقة الحقيقية ).
ومهما قالوا عن نفعية الناس، واختيارهم للوحدة، لابد للعاقل من صديق أو رفيق، يكون كالحميم والمعين، فهو كحامل المسك والنور والسعادة، وفِي القرآن عن الكفار ( فما لنا من شافعين ولا صديق حميم ) قال الإمام قتادة السدوسي رحمه الله : ( يعلمون والله أن الصديق إذا كان صالحا نفع، وأن الحميم إذا كان صالحا شفع ).
وفِي ظل الانشغال الاجتماعي والظروف العربية البئيسة يحتاج الشباب إلى علاقات مثلى، ومنائر ينتفعون بها يوما من الأيام ، ويذكر كم من أغراض علمية قضيت بالصداقة والإخوة والمعرفة ، وقد قال المتنبي:
إن المعارف في أهل النهى ذمم.....!
ومع المُتع العلمية والفكرية، لم تخل الرحلة من زيارة أماكن تاريخية كموضع أهل الكهف المزعوم، وهو مشكوك فيه في منطقة الرقيم خارج عمان قليلا، وزاروا المدرج الروماني وكان عجيبا جدا، وفيه آثار من الأمم الباقية واكتشافاتهم، ولاحقا تكرر مجيئه وذهب بهم إلى محافظة إربد وأم قيس وشاهد موضع (معركة اليرموك) التاريخية- نسبة لنهر اليرموك النابع من جبال حوران- التي سحقت جيش الرومان العرمرم، وتذكر الأبطال الأفذاذ، وصعد قمة عالية مطلة على بلاد الشام كلها، بما فيها فلسطين المحتلة، وشرح لهم المرشد السياحي كل ذلك في وقت الظهيرة ، والأنسام تتخلل تلك الأشعة الهادئة...!
وخالط السرور حزن بفقد ذلك المجد التليد، وكيف صار حال المسلمين هذه الأيام من التفكك والضعف، كما قال الشاعر المبدع محمود غنيم رحمه الله:
الله يعلمُ ما قلّبت سيرتَهم...يوماً فاخطأ دمع العين مجراهُ
وقد قلبت سيرهم صغارا، وشوهدت الآن كبارا، فرقّ الدمع، وهاجت الذكرى....
وفيها :
هذي معالمُ خُرْسٍ كلُ وَاحِدَةٍ .... منهنّ قَامَتْ خَطِيبًا فاغراً فَاهُ
مَاضٍ نعيش على أَنْقَاضِهِ أمما .... ونستمد القوى مِنْ وحي ذِكْرَاهُ

وغالباً مشاهدة المآثر التاريخية مما يلهب الروح، ويذكرك بالتاريخ العاطر، ... كيف كنا، وأين صرنا الآن....؟!
وفيها قال الشاعر اللبيب أيضا:
أنَّى اتَّجَهْتَ إِلَى الإِسْلاَمِ في بَلَدٍ ... تَجِدْهُ كَالطَّيْرِ مَقْصُوصًا جَنَاحَاهُ
كَمْ صرفتنا يَدٌ كُنَّا نُصَرِّفُهَا .... وَبَاتَ يَحْكُمُنَا شَعْبٌ مَلَكْنَاهُ
هَلْ تَطْلُبُونَ مِنَ الْمُخْتَارِ مُعْجِزَةً .... يَكْفِيهِ شَعْبٌ مِنَ الأَجْدَاثِ أَحْيَاهُ...!
وإذا كان للشباب من طوق شعر نفيس، جدير بالحفظ فهذه القصيدة وأشباهها من عيون الشعر الزاهر البهي، يحملونها ويتقلدونها حُسنا وجمالاً ، فهي خير من محفوظات عديمة الجدوى والذوق والفكر، والله الموفق....
١٤٤٤/٤/٢٧هـ

 0  0  233
التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 06:27 مساءً الجمعة 15 رجب 1440 / 22 مارس 2019.