• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 10:27 مساءً , الخميس 6 ربيع الثاني 1440 / 13 ديسمبر 2018 | آخر تحديث: 04-06-1440

د. حمزة فايع الفتحي

حنايا قلم(٤١) سفَر وزهَر ...!

د. حمزة فايع الفتحي

 0  0  116
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
كانت النية تلوح للسفر وتجاوز الحدود للسياحة الفكرية والعلمية، والإجمام والتعرف على أحوال المسلمين والمنطقة العربية، ولَم يكن ثمة حائل غير المال، فهو العصَب، والذهب والطرب...!
حتى تخرجنا وتوفر المال الوظيفي ، وحضر الخلان، فانقدحت فكرة السياحة والسفر الذي تلوح أزهاره للرحالة، ونسمع بثماره في حياة العلماء العابدين للحدود... ولَم تكن بحمد الله كالمسار التقليدي ومجرد الترويح، بل كانت لها أبعاد أخرى مفيدة، ، أسهمت في صقل الشخصية ونضوج الفكر..... وكما قال الإمام الشافعي رحمه الله :
سافرْ تجـد عوضـاً عمـن تفارقـه/
وانصب فإنّ لذيذ العيش في النصـبِ
إني رأيـت وقـوفَ المـاء يُفسـده/
إن ساح طاب وإن لم يجر لم يَطِـبِ

وعن بشر رحمه الله تعالى ، أنه قال لجلسائه: ( سيحوا فإن الماء إذا ساح طاب، وإذا وقف تغير واصفر )....!
ووافق أن بدأ التيار الديني والمطاوعة تلك الفترة بالأسفار والانطلاق في أرض الله الواسعة، ويذكر كيف عاتبه بعض الشيوخ الأجلة، وأنه لا يليق... فأجابه بما ذكر سابقاً فصمت....!
فوقعت الرغبة في (بلاد الشام الأردن وسوريا)، لا سيما وفيها أعلام كالمحدث الألباني والأرناؤوط وغيرهم وأدباء مشاهير ، فانطلقوا وقد تجمّعوا في جدة سنة(١٤١٩هـ) تقريبا فيما يظن ....!
وحجزوا من هنالك، وقد حاولوا قبلها الذهاب (لموريتانيا) لرؤية المَحاضر العلمية ،ورؤية الحفاظ المشاهير هنالك، ولكن غلاء التذاكر والجهل بالأماكن مما ثبطهم... فاتجهوا آمّين عمّان ودمشق، وكانت رحلة عجيبة، أسفرت عن فوائد وعوائد ، رافقه فيها الأخوان الفاضلان أحمد مانع، وعمر محمد، فأمتعاه وشاركاه الهم، ولا زالا إلى هذه اللحظة يشاركانه هموما كثيرة ، فجزاهما الله خيرا...
وانطلقوا ضحى تقريبا ووصلوا بُعيد الظهر، وبلا سابق تخطيط ولا تنسيق مع مستقبل... ! فوصلوا المطار في العاصمة الأردنية،،، أين تنزلون،،؟!
قال: لا أدري... في فندق قطعا...! ما اسمه،،،؟
لا ندري،،،! فتمعّر وجهه،،...! أي الموظف.... ثم اتصلوا على أخ فاضل تعرف عليه عن طريق بعض الإخوة يكنى أبا ثائر المحسيري ، فثار لاستقبالهم، واحتفى حفاوة بالغة، وقال اركبوا للساحة الهاشمية ، وهنالك قابلهم،،،،، ولا تتخيل روعة الأجواء في عمّان، واستنشقنا الزهر الشامي الملبد بالنداوة والحسن، فنسمات خيالية، وألطاف حيوية، وترانيم ربيعية، تأسر الرائي، وتخطف العابر، وتدهش المسافر ، وكانت أول زيارة لبلاد الشام، فاشتم من خلالها النسم والنهم والقمم،،،! حضر الأستاذ محمد المحسيري إلى الساحة الهاشمية ولَم يكن يعرفه من قبل، ويذكر أنه رَآه مرة مع أخيه الأستاذ عبدالله في مسجد التقوى بالضرس، وكان لقاء عابرا ،... وحينما وصلوا مطار الملكة علياء، اضطربت الأمور عليهم وأين ينزلون..؟! ولَم يجربوا أسفارًا قبلها إلا ما كان إلى بعض دول الخليج...!
فاخذوا تاكسي إلى الساحة الهاشمية، ونفعهم جوال مع الأستاذ عمر، في التواصل مع الشباب، وانتظروا كيف يعرفهم ويعرفونه، وحينما رآهم عرفهم وعرفوه، وكان حبيبا جاء على فاقة، وعزيزا وافى على حاجة، فانبلجت الأسارير، وأركبهم تاكسي وانطلق بهم إلى بيته في عمان الشرقية، وغداهم الكبسة السعودية بالطريقة الأردنية، وكان أخونا الفاضل من سكان المملكة عملا وانتماء، وقضى فيها دهرا طويلا، أكسبه معرفة وعلاقات....!
وبُعيدها انطلق بهم لفندق بعد أن ترجاهم بالبقاء عندهم، ولكنهم اعتذروا بكثرة الحركة والتجوال والتي تتطلب حرية واسعة، وانعتاق عن كل ارتباطات ملزمة....!
فنزلوا في فندق يسمى (برج بابل)، ومن الْيَوْمَ التالي اشتعل برنامجهم، وصاروا لا يعودون إلا وقت المنام...
وسألوا عن المحدث الألباني فكان في الإنعاش، وما أحبوا الإحراج، وحضروا بعض الدروس العلمية للشيخ مشهور آل سلمان في جامع السنة، عبارة عن تعليقات وجيزة على شرح النووي لمسلم، ولَم يتيسر زيارته لبعض الظروف، وبعضهم اعتذر لانشغاله،،،!
ثم تيسر عودة أخرى لصاحبكم، فالتقى جملة من الشيوخ والأدباء والأحبة، كان من أشهرهم إخوة استقبلوه واحتفوا به نحو: أبي أنس الفاضل من منسوبي النقابات المهنية، وأخينا الكريم أبي أحمد صيدلي وقور، وأبي أسيد كان في اللجان الخيرية، والآن هو محام بارع، وآخرين ربما سيأتي ذكرهم، ورتّبوا لنا برنامجا جيدا للاستمتاع الفكري والسياحي، فزرنا شعراء كيوسف العظم وأهدانا (لو أسلمت المعلقات ) وهي محاولة أدبية في تطبيعها إسلاميا وأخلاقياً، وقابلوا شعراء آخرين يشتعلون حماسا وحرية ، وزاروا (بلدة معان) التاريخية وأظنها التي عسكر فيها الجيش الإسلامي قبيل ساعة الصفر في غزوة مؤتة ، وتسنى لهم اللقاء بالشيخ محمد إبراهيم شقرة صاحب المحدث الألباني وأضافهم، وعرفهم بالشيخ المحقق الفذ حسان عبد المنان، فزاره عدة مرات وتناقش معه طويلا في مسائل حديثية وفقهية ولغوية، وكان يسكن(الزرقاء)، وليست بعيدة من عمان، وأطلعوه على تنازع السلفيين، فعمل على نصحهم وتذكيرهم بوحدة الطريق، واستفادة المبتدعة من ذاك كله، ويذكر أنه دخل بعض المكتبات ووجد كتيبا للشيخ علي الحلبي يرد على اللجنة الدائمة في تحذيرها من مساره العقدي وحماساته، وكيف أنه حاججهم بما سماه( الأجوبة المتلائمة على فتوى اللجنة الدائمة )فاطلعه فإذا هو منقوص العلم، كثير التماحك، وسيع علامات الترقيم...! ويذكر أنه أخذ نسختين له، وللشيخ القاضي عبد الرحمن الصعب وكان حينها في محايل.
وتعقب عليه من بعض الكتاب أظنه للشيخ محمد الدوسري، وسمى تعقيبه ( رفع اللائمة عن فتوى اللجنة الدائمة ) وقدم له ثلاثة من أهل العلم الفضلاء....!
وتيسر اللقاء بعالم سوري اسمه الشيخ الدكتور محمد شكور المياديني رحمه الله، يسكن في قمة الجبل، تسمى (أبو نصير ) ودله عليه الشيخ حسان عبد المنان، لما سأله عن الإجازات العلمية، وأجازه في القرآن والكتب الستة والمسلسل بالأولية وسورة الصف، وبالمد النبوي ، بعد أن صنع مثيله عند ( النحاسين )، وقرأ مقتطفات من تلكم الكتب المعتمدة، وصارت العلاقة شبه طيبة بينهما إلى أن توفي قبل سنتين رحمه الله .
ثم اتجهوا بعد ذاك إلى دمشق بالتاكسي، والمسافة قريبة، واستمعوا بالمزارع والتربة الحمراء الجاذبة، ولاح في أذهانهم عبق التاريخ الإسلامي وطيف أئمة الإسلام كالنووي وابن الصلاح وابن تيمية والذهبي رحمهم الله، ومدارسهم التي حفلت بالعطاء والرسوخ ، وكيف أنه يصل إليها، ويستحضر مشاهدهم وآثارهم .... وحطّوا هنالك قبيل العصر، ونزلوا في فندق مريح يدعى( الماجد ) وطاب أنسا وجمالاً وطعاما... وزاروا منطقة (الزبداني وبَردا)، وكان النهر ناضبا قليل الماء والتدفق كما أفاد الباعة هنالك.. وفِي الطريق استراحوا في مزرعة شاهدوا فيها التوت واستطعموه لأول مرة، مع نداوة الجو، وطيب الهواء.....
والتقى في (داريا) بالشيخ المحقق حسين أسد،محقق مسند أبي يعلى الموصلي، وكان من مقتنياته الحديثية الأولى ، وجلس معه جلسة حديثية ممتعة، طابت بترانيم الصيف وعبق التوت، وصحبه فيها الأستاذ المحامي علي النجاجرة، فكان نعم الصاحب والرفيق... ! ووجده منغمسا في التحقيق، وغير مطلع على النظرات الجديدة في المصطلح ككتب الدكاترة المليباري والعوني، فأرسلها له بعد ذلك، وشكر له صنيعه....!
وفِي رحلة أخرى صاحبهم أبو أحمد الصيدلي، وأخذوهم عقيب ذاك إلى سوق الحميدية، وشاهد صناعة المشالح والعباءات، واقتنى شيئا جميلا منها، ومن حلويات الشام ومخللاته المذهلة....
ومن أعاجيب دمشق أنك تشم فيها عتق الحضارة وجمالها، وتلامس معالم التراث العربي والإسلامي القديم، ولا تحس أنك في أفياء مدينة جديدة......
ومن الطريف أنه شاهد على تاكسي الرحلة : عمان- بيروت... فقال للسائق : توصلنا بيروت.. فقال: ما تصلح لكم يا شيخ- وشاهدهم مطاوعة -، وكانوا بزيهم الخليجي المعروف، ولَم يبدلوه، فضحك الجميع وفهموا المراد....!
وندم أنه لم ينطلق لبيروت وقد عُرفت بالطباعة والمكتبات ..! وينتظر هدوء العاصفة، هذه الأيام حتى يزورها، فهي لا تخلو من فوائد ورغائب يبحث عنها كل عالم ومثقف وأديب .....!
وفِي مقال له بعنوان بيت شعر لنزار في أتون المحنة السورية، فرج الله عنهم،( دمشق يا كنز أحلامي ) جاء فيه :
وفي العصر الراهن خرّجت الشام البيطار والقاسمي والألباني والزرقاء والطنطاوي والدقر وأبا غدة، وأفذاذا آخرين..!
عمرانها معتدل وليس بارزا، ولكنها تفتنك برسوخها وحضارتها الضاربة في القدم، وجوّها العذب ومزارعها الخلابة، ومكتباتها وبضائعها..!
ودمشق فيها كل ما تختارُ// ومباهجٌ مزهوة وفخارُ
وكانت السيارات الخليجية العائلية تملأ شوارعها، فهي مصيف استجمامي، وربيع تجاري وثقافي... ودمشقُ تحكي للعروبة شكلها// وبعطرها تتطيب الأطيابُ
عصائرها، حلوياتها، مخلّلاتها، ملابسها شيء باهر... !!
من فوح عمّان رمتُ الشامَ والألَقا.. إلى دمشق لها حبي وقد سبَقا
إلى بلادٍ لها ذكرٌ ومفخرةٌ//هي النهوض وذاك المجد قد شرَقا
من أنبأ القلبَ أن الشام موطنُه// وذلك الزهر أهدى العَرفَ والنمَقا
فيا دمشق تعالي واحضني طربي// إن المشاعرَ تَروي كلَّ من عشِقا..!

وصعدنا (جبل قاسيون) وكانت من أروع اللحظات، وزرنا المنارة البيضاء حيث ينزل المسيح عليه السلام عند الباب الشرقي، فأحسست بالهيبة وعمق التأمل.
الجامع الأموي دخلناه وصلينا فيه، وقد بات مزارا سياحيا، تكاد لا تصدق ما تراه..!
كانت الآثار البعثية والقومية الزائفة تغطي المشهد، وأهل السنة مشردون أو مختفون..!
ولكن لهم صبرا عتيدا، وأملا كبيرا يوشك بالانفراج، والله غالب على أمره.... ومع مافي السفر من هموم وعذابات كما صح قوله صلى الله عليه وسلم ( السفر قطعة من العذاب ) إلا أنك تجني جَنى، وتغنم مغانم، وتتعرف على أماكن وتجارب وشخصيات وكتب، كما في المنسوب لعلي رضي الله عنه أو للشافعي رحمه الله:
فإِن قيلَ في الأسفارِ ذلٌ ومحنةٌ... وقطعُ الفيافي وارتكابُ الشدائدِ فموتُ الفتى خيرٌ له من مقامه... بدارِ هوانٍ بين واشٍ وحاسدِ ...!
والله الموفق....
١٤٤٠/٣/٢٨هـ

 0  0  116
التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:27 مساءً الخميس 6 ربيع الثاني 1440 / 13 ديسمبر 2018.