• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 07:35 صباحًا , الأحد 8 ذو الحجة 1439 / 19 أغسطس 2018 | آخر تحديث: 12-08-1439

د. حمزة فايع الفتحي

حنايا قلم(٣٨)جولة في الرياض..!

د. حمزة فايع الفتحي

 1  0  152
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
كانت رحلة أشبه بالعابرة، ولم يدر في خلَدهم أنها ستطول، ويوغل صاحبها في الاستطلاع الثقافي والعلمي وسيعود بالنفائس والرغائب، ويكتشف أنها الأجدر والأليق بالمقام لولا جوها الحار وطقسها الطارد، ولكن المثقف سائقه الفكر والعلم ولا يبالي بطروءات التقلبات الجوية،،،! وهو كذلك، لاسيما وهي العاصمة والمدينة الساحرة بعمرانها وثقافتها وأعلامها وعلمائها، وفيها قال بعضهم:
قالوا الرياض فقلت تلك حبيبةٌ/ هاتوا الحديث فذكرها إسعادي
قالوا الثقافة قلت مهلا إنها/ أعني الرياض لها الهوى والنادي
فلأنت أمٌ للعواصم كلها/ ولأنت مرجعها وخير معاد
بين العوصم كالأميرة رفعةً/ تلك الرياض ومقصد القصّادِ
هذي الرياض مليكة في كوكب/ بدر يضئ صحائف الأورادِ

وسيجد الطالب بغيته، والمثقف نهمته، والمتفقه غايته، فحضر مع من حضر لإكمال الدراسات العليا ودراسة السنة المنهجبية في كلية أصول الدين( ١٤١٦ ) للهجرة، وكانت فرصة للتعرف عن كثب عن (الرياض) وأندائها، والمدينة وأفنانها، والعاصمة وظلالها ، وكان يسمع بعلماء أجلة، وحضرت الفرصة للقاء بهم والانتفاع بعلمهم ومجالسهم..،!
وكانت تصور لهم الدراسات العليا كصرح علمي شاهق، يتطلب جهدا ودأبا ومثابرة، وصل الجميع وكان في صحبتهم المشايخ الزملاء: علي مصلح، وحسين الحازمي وخالد الوادعي، وسعد يوسف، وَعَبد الرحمن معاضة، وسجلنا في الإسكان الجامعي، ومن محاسنه منح المعيد شقة مخصوصة ولكنهم يأخذون مبلغا مرتفعا وفيه تأمين محدد، يرد آخر العام ، والجميل هنالك :
- الحرية الممنوحة للمعيدين ووجود خط هاتف للاتصال بالمدينة، وانتفاع الطلاب بذلك وتواصلهم معنا .
- الاستفادة من مناشط الجامع والدروس العامرة فيه ومن أشهرها درس شيخنا العلامة محمد الحسن ددو والشيخ الدكتور الفقيه سعد الخثلان، وكنت أحضرها غالبا.
- وخارج الإسكان تعرف على درس المحدث الحافظ الشيخ عبدالله السعد ، وكان في (سنن الترمذي) ويبتدئ بعد العشاء بنصف ساعة، ويمكث إلى ساعة ونصف وزيادة، ومرة عقد حلقات في الرد على الشيخ المحدث الألباني رحمه الله، فتضاعف العدد الى ما بعد منتصف الجامع .
- وظفر بالتعرف على الشيخ الشنقيطي وانبهر من محفوظاته وحصلت بينهما حوارات ولطائف ، كانت سببا في جعله مقرظا لكتابه(طلائع السلوان في مواعظ رمضان)باكورة مؤلفاته. وقد كان درسه كل ثلاثاء في شرح البخاري، ثم يعود لشقته بعد الصلاة فيشرح متونا مختلفة إلى نحو الساعة الواحدة ليلا، يذكر منها: شرح اللمع للشيرازي، والعمدة للمقدسي، وكتاب التوحيد، والواسطية، وغيرها، والحضور نحو (٢٠) طالبا ما بين تزايد وتناقص...! وهو ممن يخلط العلم بالملح والطرائف والأشعار والقصص، والزبد والنوادر، وقد ملك نحو(٣٠) شريطا من نادي الطلاب في شرح البخاري رحمه الله، استطعم فيها النفَس الموريتاني في العلوم .
- وفي الكلية درسهم الدكتور المحدث أحمد معبد، الناقد والمحقق الكبير، صاحب تحقيق النفح الشذي وغيره، وامتاز بعلم مدقق، وخلق جم وفكاهة عجيبة، وعناية بالطالب بليغة ..!
- وكان يعطيهم مادة (التخريج والأسانيد ) وفيها نضج الشيخ العلمي ودرره المنسابة، ولآلئه المضيئة، وكانت الصباحية الأولى، وفيها يضحك القوم وقد جاءوا مبكرين، وإذا لحظ نائما صامتا اشتغل عليه، فضحكنا وضحك، حتى كاد يسقط ذات يوم...!
- ومنهم كذلك د. محمود ميرة، مدقق النصوص، وبصير المطبوعات، و د . فالح الصغير، المفيد تربية وسلوكا .
- ووافقت انتقال د عبد الرحمن علوش للرياض ودرسنا عليه (النكت على ابن الصلاح) للحافظ ابن حجر رحمه الله الجميع، وكان له وقفات علمية وتربوية وأخوية نادرة، جزاه الله خيرا.
- ودرسهم كذلك د. مناع القطان مادة الحديث الموضوعي فكانت مبهرا للغاية، وثقافته أعلا من تدريسه، وإذا خرج بعيدا أتى بالفوائد اللطاف، والمعاني الظراف .
- وتعرف هنالك على مكتبات ( الكتاب المستعمل ) وجمع منها وادخر .
- وزار مكتبة التدمرية وتخفيضاتها المذهلة، فأحرز منها وأغدق، وجمع وأوعى، وكان لها فرع في الإسكان الجامعي، يغري المشتري والناظر والمبتغي .
- والمضني في الرياض وسعها وطول مشاويرها، بحيث تقطع المسافات ويذهب اليوم لأدنى مشوار، ويحتاج السالك فيها لتنظيم وترتيب .
- والمنعش المؤنس فيها غزارة الدروس والمحاضرات بحيث لا عذر أمام طالب بحاث، أو سائل راغب..!
- ومن زملائنا الفضلاء هنالك د. عمر المقبل، ود. خالد التويجري، و خالد الشهري والمانع، والغامدي والصامل والعويد وغيرهم مما قد يُنسى والعذر من الجميع ، وكانت دفعة طيبة، واجتمعنا في آخر العام، ورتب ذلك الأستاذ خالد التويجري، بحضور الأستاذين الكريمين فالح، وإبراهيم الصبيحي رحمه الله .
- ومن منافع الرياض زيارة دور النشر الكبرى ولم تكن في أبها وقتئذ، كالرشد والعبيكان، فاقتنى منهما بالآلاف، لا سيما الرشد، جمع من السنن ومجاميعها وشروحها وأجزائها ورسائلها الشيء العجيب، ولقلة المعرفة بالحاسوب وغلاء سعره، كان يشحن كتبه، كراتين ضخمة في سيارته الكراون، فتصل خلال ثلاثة أيام، فيغنم الكتب بلا تنقل، والسيارة بلا تكاسي...!
- ومنها: زيادة ولعه بالكتب، فيزور كل مكتبة يعلم بها وبطيبها، أو يعلم بعروضها ، أو لديها كتب نادرة، وذات مرة أسس معرض كتاب في السكن الجامعي، فقلّت ريالاته، فاتصل بأهله، فحولوا له ألفي ريال، فانطلق مسرعا يجمع كتب الشروح، وكان قبلها لا يقدر على رؤية الكتب بلا مال...! وما زال متقطع القلب، شديد الحسرة، حتى وصلت الحوالة، فانزاح الغم، وحلت البهجة والانشراح ...!
- وبعد ذلك صار التردد على الرياض طبيعيا بسبب معارض الكتاب المتوالية وفي قصيدة هيام بها قال :
إلى (الرياض) نزيل الهمَّ والكدرا// ونقطفُ الأثرَ المحمود والثمرا
فقد علمتُ بأن الله بوأها// زهرَ الجمالَ وهذا العز والظفرا
رياضُ حسنٍ لنا صارت مهندسةً// ذاك الوفاقَ وجهدا نيرا نضِرا
وبالكتاب لها حضنٌ وزاملةٌ// تجسّد الوصلَ لا مينا ولا خطرا
بالعلم والكُتْب يزهو المرءُ مكتسبا// تاجَ الهناء ويعلو فوق من حضَرا
وفي (الرياض) بساتينٌ ومفرحةٌ// من العلوم تضاهي الجو والبحرا
- وكان العلامة ابن باز رحمه الله فجر كل خميس في درسه وعكوفه العلمي المذهل .
- وزارها العلامة ابن عثيمين رحمه الله واحتفى الناس به لعلميته الزاخرة، وقد قابل عددا من تلامذته ومن بلدياته كما يقال، ورأى أنه قد استفاد من الشيخ أكثر منهم بسبب البعد والانحباس العلمي على أشرطته حيث الشعور بالقلة والنقص...! ومن كان قريبا ربما خالطه الزهد والتسويف ..!
- وبقدر ما استفاد من الرياض و وزهراتها العلمية الباسقات، إلا أنه قد فاته أعلام كان بالإمكان زيارتهم والانتهال من علومهم ، وقد ندم على ذاك، ولكن قد يصعب حيازة الخير كله، فانتخب من كثير، واصطفى من غزير، ولله الحمد .
- وفي الرياض ألمت به بعض الظروف المضنية، ولكنه تجاوزها بتوفيق الله وعونه، وكان يشتاق كثيرا لمسجد التقوى المؤسس حديثاً في الضرس، ويتابع لحظات إكماله، وإذا عاد استمتع بالصلاة فيه، حيث إجداب الضرس بالمساجد، حيث لا يوجد إلا الجامع المشهور ...!
- وكان شباب محايل في الجامعة يستقبلونه أحيانا كلما عاد من السفر كالأخ عمر محمد وأحمد مانع، ويمكث بعض الليل معهم ثم يعرج نازلا تهامة، وفيها الشوق والحنين ومنبت الروح والنسيم .
- ويذكر أنه لما ذهبوا للاختبار في الدراسات العليا، كان أول من تقابل معهم، وقد سمع عن الشيخ وعلمه وجده وطرافته، فقابله د معبد، ود. عبدالله وكيّل الشيخ ، ود. محمود بكار، وسألوه عن المصطلح وفتح الباري وأسمعهم منظومته في أدب الطلبة ، وأهداه الشيح معبد ( بسكويتا ) من حقيبته، فعجب من طيبته ولطافته، في شيء يسمى مقابلة شخصية، وبعرف جامعة الإمام الحدي المتشدد، يعد ذاك تجاسرا وخرقا للعرف، ثم جاء شخص آخر فأعطاه، وثالث فأعطاه، حتى انقلبت المقابلة إلى مجلس أنس وتعارف، وتعجب كما يحمل الشيخ من البسكويت في تلك الحقيبة ..؟! وتلكم من الذكريات التي لا تنسى...! وقد غادر الدكتور معبد إلى مصر بعد مكث عشرين سنة فيها، وتخرج على يديه الأعلام والعلماء والعمداء، وكان لنا شرف تكريمه وتوديعه في فرع الجامعة بأبها ، وقابلناه بعد ذاك في القاهرة وحضرنا عددا من دروسه ومناقشاته، وإن الإنسان ليأسف على خسارة تلك العقليات الحديثية، ورؤوس التحقيق الفريد....! إذ لا يزال الشيخ وبرغم كبر سنه يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ولا يهاب المرض، ولا يبتئس للعمر، محبا للعلم، ومعظما لفوائده، ولطيفا بطلابه....
- ولا ارتياب أن تجربة سنة علمية في الرياض كانت عائدة بالخير والمعرفة، ليس أقلها التجربة العلمية المنعشة بالتعرف على العلماء وحركة العلم والدعوة واقتناء الكتب النفيسة ، وربما تعود الذاكرة بأشياء في مقالات قادمة والله الموفق.....!

 1  0  152
التعليقات ( 1 )

الترتيب بـ
الأحدث
الأقدم
الملائم
  • #1
    11-13-1439 02:34 مساءً زاهر علي الدارسي :
    شكرا صحيفة محايل الاكترونية حيلو كتابكم لا التقعاعد

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 07:35 صباحًا الأحد 8 ذو الحجة 1439 / 19 أغسطس 2018.