• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 03:54 صباحًا , الإثنين 14 محرم 1440 / 24 سبتمبر 2018 | آخر تحديث: 01-14-1440

د. حمزة فايع الفتحي

حنايا قلم(٣٧)متعة التعليم ولذة الترنيم..!

د. حمزة فايع الفتحي

 0  0  290
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
كل ذي مهنة غالبا يحبها ويوقرها، وقد تصل للعشق الدفين، والترنم العميق من جراء تخصصه وفقهه وديمومته فيها، ولكن المهنة العاشقة، والوظيفة الرائقة، والتي هي متفضلة على سائر المهن، ويذعن الجميع لها بالولاء، (مهنة التعليم) ...
وعلّم أبناء الحياة وزادهم/ نماءً وأخلاقاً وتاجاً مرنما..!
هو العلَمُ المحبوبُ ذكرا ومهنةً/ فلله هذا الفضلُ كيف تعظّما...!

ومن حكم جبران خليل قوله :
( تقوم الأوطان على كاهل ثلاثة : فلاح يغذيه ، وجندي يحميه ، و معلم يربيه) .
تلك المهنة التي تعرف الحياة عزفها، وتصدح بأوتارها، وتشع مناراتها في كل الأماكن والأنحاء ،،،!
فلا غَرو أن قال شوقي:
كاد المعلم أن يكون رسولا...!
رسولا في مسيرته، ورسولا في عطائه، ورسولا في رسالته...!
تظلله الملائكة بأجنحتها، وتغشاه الرحمات، وتنزل عليه ترانيم البهجة والفرح...! إنه يصنع جيلا،ويبني أمةً، ويشع أخلاقا، ويؤسس لقيم تتجذر مع طول الأيام !! كيف وهو وريث الأنبياء، وخليفة المرسلين، ونائب الدعاة والمصلحين ...
وإن لحظة تعيينه في الجامعة معيدا يمارس التعليم، ويرتسم التوجيه، ويدنو من شباب مالوا للطِلاب الشرعي ، والمسار الفقهي، كانت من أمتع اللحظات في حياته، وشعر بنشوة داخلية، وبانشراح نفسي، لا سيما والمادة المطروحة كتاب سبل السلام، وحديث المصطفى المعلم القوام، وفي مضامين فتح الباري ومغني ابن قدامة الآتي كالسلسلِ الجاري، وقطوف من سير الذهبي، ونتف الحافظ العراقي والعلامة الحلبي،،،!
لحظة صفاء وارتقاء روحي فائق الوصف، والمرء يغوص في حدائق، ويتيه في رياض من الجمال والملاذ الزاهرة..!
قال فلان، وخرجه فلان، ولم يصح ذلك عن جمهورهم، وفي ثبوته نظر، ونص على تضعيفه جماعة، ذكرهم الحافظ والنووي وصاحب التفسير الأثري ابن كثير الدمشقي رحم الله الجميع...
وكانت اول دفعة ( المستوي الثاني شريعة ) وقد غصّت دفعتهم بطلاب فضلاء، وأذكياء فهام، ومنهجهم يبتدئ من باب صلاة الجماعة إلى آخر البيوع تقريبا...!
فكان أول ما ولج، أن وعظ بالعلم، ونصح بطلبه، وحض بتفقهه، ووجه بالخوض في مزاهره اليانعة، وأفنانه الرائقة ...! وكان قد طالع عشرات الكتب في المقدمات الطلبية من نحو:
- تذكرة السامع والمتكلم لابن جماعة الكناني .
- أدب الطلب للشوكاني .
- مفتاح دار السعادة لابن القيم.
- مقدمة المجموع للنووي .
- تعليم المتعلم للزرنوجي الحنفي.
- حلية طالب العلم للشيخ بكر.
- جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر القرطبي. وغيرها من الكتب النافعة، وإنما سماها فائدة لطلاب العلم، وراغبي الفقه والتأصيل الشرعي .
ويذكر أنه تاثر بكثير منها مما حداه إلى كتابة منظومة لطيفة سُميت( المذهبة في آداب الطلبة )
وكانت نحو ( ١٥٠ ) بيتا، وهي أول منظوم مدون له، جاء فيها :
أقول يا ربي وَيَا مغيثي/ أنا الفقير حمزة الحديثي
فالحمد لله العليم الباري/ الواهب العلم لكل قاري
ومنها:
وإن من إجلال ذي الجلالِ/ إكرامنا لعالم وتالي
فإنه قد جاء في الآدابِ / عند أبي دَاوُدَ يا صحابي
أولها الاخلاص في الطريقِ/ فاسمع لما أقوله بشوقِ
وبجل الأئمة الأخيارا/ وكن عليهم مثنيا مكثارا
ولا تؤاخذْ أحدا بهفوتهْ/ لدينه وعلمه وسيرتهْ
ولو رددنا علمه بما وردْ / لما سلم من فعلنا كل أحدْ
فما كان من الحضور، إلا الاندهاش من جودة كثير من المعيدين وعكوفهم تحضيرا وإفادة لهم، علاوة على ما يملكه ضيفهم الجديد من ترنيمات أدبية، ومنظومات شعرية، تجعل من الدرس الحديثي خصيبا سهلا، ورغيبا بهيجا، تتلقفه الآذان بلا متاعب ولا مشاق.....!!
وكانت السنة الأولى وأخواتها من سنوات التاريخ العاطر في الممارسة التعليمة، وقد استفاد هو تحضيرا، واستفاد التلامذة فقهاً وبناء، وقد تخرج منهم قضاة ودكاترة ولا زال بعضهم متواصلا معه، ويكن له كل احترام وتقدير..!
ولم تكن تخلو الدفعة من مشغبين يحاول التقليل حسدا وذما، إذ كيف لطالب الأمس المشاهد بينهم، أن يصير أستاذا لهم يلقنهم مفاتيح العلوم، ويسمي كتب المتون والشروح...!
ويظل المعيد الجديد في امتحان صعب، ان لم يكن تعبأ جيدا، وكانت قناته راسخة، وقد يصبح محلا للسخرية والاستهزاء، واجتاز هو ذاك بكل اقتدار، توفيقا من الله ونعمة ، والله ذو فضل عظيم.
وان مما يشد التلامذة لأستاذهم ما يلي:
- الإتقان العلمي والتفنن المعرفي ، الموحي يإعداد فريد واطلاع متين، وليعلم أنه لا يزجر الجهال المشغبون والساخرون إلا الإجادة العلمية، والأداء الناجح .
- الصدق في حمل الأفكار ، واحتساب التعب والبلاغ .
- العزيمة المتوقدة جمعا وطرحا وإلقاءً، فيقدر ما هو عليه، ويعاين أنه وريث أنبياء الله ورسله .
- الحرص التربوي عليهم تعليما وتطويرا واحتواء، بحيث تستشعر أنك والد مشفق، ومرب رحيم مسؤول، وقد قال معاوية بن الحكم رضي الله عنه في قصة كلامه في الصلاة ( فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي... ) وينقل عن سقراط الفيلسوف ينبغي للعالم أن يخاطب الجاهل مخاطبة الطبيب للمريض) .
وهذه الخصال متى توفرت في الأستاذ فقد بلغ المنال، وفقه المسار والرسالة، ومع مضي العمر وتولي مراكز إدارية لم يدع الرجل تدريس العلم، والدنو من الطلاب، فهو كنز يترنم بِه داخله، وعصفور يشدو من قلبه، مع اختلاف الأجيال وكثرة الأعباء...!
وكم من أعمال إدارية قتلت أصحابها، وسخفت معلوماتهم، وانحطت بأذهانهم، وذهبت بأخلاقهم، فلا هم من إدارة ناجحة، ولا من تأثيرات مجتمعية محمودة،،،! وما جنوا منها إلا المتاع الرخيص، وحينما غادروا لم يأسَ عليهم أحد، والله المستعان.
ولذا إن لم تكن النقلة منتجة للتأثير المحمود، والإنتاج المنشود، فلا تحريكَ لساكن، ولا تضييع لمحاسن...!
ولن يبدد الأستاذ الذكي ثمرة القرب من التلاميذ، وفيها ما فيها من البناء والتهذيب وصناعة الإنسان المثمر الجاد، ولذا كان أهلها الصادقون ممتطين لصهوة التضحية والإبداع، يمل الآباء ولا يملون، ويتعب المحسنون ولا يتعبون ، ويضيق الناصحون ولا يضيقون، بل يربون على طرف التعب والبذل والمصابرة ، وكذا هو الوعي التربوي والإصلاحي الحقيقي .
وللتعليم نكهة يستطعمها أصحابها وهم يتلذذون بأندائها، ويعيشون نتائجها، وكلما تباعدوا عنها عز عليهم ذلك، فالمعلم مربٍ وشيخ ووالد وناصح غيور، ومن لم يعِش هذه المعاني أو يتسم بها فما فقه رسالة التعليم....!
ومع الشغف العلمي والدربة الحاصلة من جراء التدريس الجامعي، وفق الرجل ليكون مشاركا في الدعوة وممارسا للخطابة، مما زاده وعيا وملامسة لأعماق الدعوة ومشكلاتها، وعاين عظم حاجة الناس إلى ذاك،،،! وهو ما أثراه وأعلاه، وجعله قريبا من الناس، مشفقا على جاهلهم، وداعما لمسكينهم، ومتحفزا للبلاغ الشرعي في أغلب اللحظات، ولله الحمد والمنة، وسبقت الإشارة إلى شيء من ذلك تقريبا .
والمقصد أن الولَع الدعوي والحرص العلمي جعله من ممارسي عملية التعليم، ولكن في نطاق المساجد والاستراحات، مما أكسبه فرائد جمة وعلاقات فخمة، وضاعفت عملية الاطلاع القرائي، والبحث العلمي، وهو من أجل عواقب التعليم المسجدي والمشاركات الدعوية المثرية .
وإن تعجب فاعجب من زهاد في التعليم العام، وزهاد في الدعوة والتوجيه، الأول يسارع في التقاعد والآخر ينزوي محتفظا بمعلوماته ومكانزه، فيتقدم القوم ولا يزال هو معتذرا ومسوفا، حتى تفوته بركة بلاغ العلم، وتزكية الفقه والتوجيه، لأن زكاة العلم تأديته ونشره في الناس والآفاق، وهو معنى يكاد لا يحتمله كثير من الناس، مع وعيهم المبدئي بحاجتهم وحاجة الناس....!
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل .
ومضة/ الضياء التوجيهي والدعوي والحضاري إنما يشِعه المعلمون ..!
١٤٣٩/١٠/٤

 0  0  290
التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:54 صباحًا الإثنين 14 محرم 1440 / 24 سبتمبر 2018.