• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 04:39 مساءً , الإثنين 4 شوال 1439 / 18 يونيو 2018 | آخر تحديث: 10-04-1439

د. حمزة فايع الفتحي

حنايا قلم(٣٦)زاد المعاد، ولقاء التواد...!

د. حمزة فايع الفتحي

 0  0  176
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
ترفرف عليك الحجة بأعبائها كصخرة صماء، إذا تصدرت للعلم ، وعُرف عنك الفقه وطلبه، والكتب وجمعها، والعلماء ومجالستهم...! علاوة على التخصص الشرعي، والميل للحفظ وديمة الاطلاع والضن بالأوقات...!
وهو ما لحظه بعض الفضلاء، فأشار عليه بتأسيس درس يجمع الأحبة والطلاب، ويكون أشبه (بالملتقى الدائم)، ويعتقد أن ذاك أول سنة من تخرجه ...
وجاء وقتك للإبداع والطربِ/ فاهنأ بذا الطيش أو فاهنأ مع الذهبِ

واتفق أن زاره الشيخان الفاضلان حسين حسن، وعبدالله فلقي الكبير -وهما من رجالات الدعوة الشبابية في محايل- في بيتهم في حي الجامع في الربوع، وشاوراه في عقد مثل ذلك، فاندهش وتعجب، وتقالّ ما عنده،...! وهل كل تلك العوامل كافية في الانطلاق العلمي، والمبادرة الدعوية التربوية؟! وكان إبانها يعاني بعض المتاعب الصحية، فاستخار ربّه تعالى نحو ست مرات، فخار له المولى الترك والتربص إلى أن تحين اللحظة المناسبة، والوقت المرصود...! ولعله لم يحضر بعد، فالعدة قليلة، والنفس مشغولة، والاستعداد غير مكتمل،،،! فاعتذرهم بعد وقت معين، وبقي مواصلا للعلم وجمعه والحرص على معالمه ومقدماته،،،!

ومع ما في العرض من صعوبة وجسارة، إلا أنه منحه قدرا من الثقة عاليا، وأدرك حاجة المجتمعات لانعقاد الدروس واللقاءات التربوية...!

ثم إنهم كانوا يجلسون بعد صلاة الفجر للتلاوة وقراءة بعض المختصرات، ولازمه بعض الأحبة وأشاروا لو حصلت قراءة في كتاب مخصوص بلا إشهار وتبعات، وليكن ( زاد المعاد) للإمام ابن القيم رحمه الله، فشاور من حوله، وأظن الشيخ عبدالله الكبير -وكان يثق فيه تماما،- ممن أشار بذلك، فغالبهم يتربى إيمانيا لدى الشيخ، وتبقى عليهم التربية العلمية وتقدير قيمة الكتب والتأصيل الشرعي، فحولهم إلى ذاك المعتني بالعلم والراغب في جمعه وطلبه، فانعقد الدرس بعد صلاة الفجر في جامع الشيخ علي أبو سراح، وبلا إشهار أو إعلانات...! سنة١٤١٤ للهجرة..
وكان رواده الأساتذة عمر محمد وحسن السيد وعبدالله الأسمري، وحسن شار وأحمد ناصر، وغيرهم، وكان هو في السنة الأخيرة من الكلية، وقد استمر سنوات بفضل الله، وانقطع أناس وصبر آخرون، ومضى فيه إلى المجلد الثالث، ثم ضُم إلى أول مسار علمي، أُعلن له في (مسجد التقوى) بالضرس جنب كلية المجتمع حاليا...!

وكان مجلس الزاد من أمتع المجالس وأروعها مع طول الكتب واحتياج بعض مسائله لتأمل، وذاك يعود لعدة أمور :

- أن الكتاب جامع لمعارف إسلامية متنوعة، ونافع للأسرة المسلمة فهو (كالمكتبة) كما قال العلامة أبو الحسن الندوي رحمه الله .

- سهولة عبارته ووضوح فصوله ومسائله في الغالب.
- سرعة استخراج الفوائد وقربه من القرّاء، وما ذاك إلا لصدق مؤلفه وقد عرف بالتأله العجيب، والقربى الخاشعة.

- عنوانه الجذاب وموضوعه الآسر، ومصداقية ما فيه من تأصيل وتحرير، وحسن تدليل وتقرير ، فيكفي وقوفك عند عبارة ( زاد المعاد من هدي خير العباد ) وهو مطلب كل مسلم ، فضلا عن طالب علم أو عالم أو خطيب مسجد، أن يجمع ميراثه، ويتبلغ بلغة تنفعه يوم الحساب والجزاء...!

والطريقة كانت بقراءة بعض الطلاب، ثم التعليق والتحليل لكلام المصنف، والتنبيهات على تخريج الأحاديث وسلامتها وحصلت له استدراكات على المحقق، واكتشف استفادته من المحدث الألباني دون إشارة، وكنا نعود بحمد الله لكتب أخرى كالفتح ونقارن، ونشير للخلافيات المهمة، في حالة أغفلها المصنف رحمه الله، ونضيف ما يستوجب من مسائل مشابهة،،،!
وقد قضى الجميع سنوات رائعات بين مرافئ الزاد، واستطعموا حلواه، واستطابوا أفانينه، وذاقوا جماله، وأناخوا بين نخلاته وتلاله...!

ويعد الزاد من الكتب التي تكشف إمامة ابن القيم وحافظته ودقة استنباطاته، ومن خلاله تتعرف على ابن القيم وسعة محفوظاته واطلاعه رحمه الله ..!
وهذه صباحاتنا أزمنة الدعوة الإسلامية واشتداد العمل الدعوي والتربوي، نضم إلى جماليات الصباح مفاتن العلم ولذائذ التلاوة، خلافا للسابق حينما كانوا وهم صغار يغدون مبكرين للعب أو لانتظار فتح بقالة، ويستنشقون عبق تلك اللحظات بكل براءة ، وقد كانت محايل متواضعة العمران
ويتذكر هنا قول الدكتور العشماوي حفظه الله:
‏كنا نغرّدُ كالطيور وحولَنا/روضٌ بثوبِ زهوره يختالُ
‏نلقى الصباحَ ببسمةٍ كضيائه/ولنا عليه كما له إقبالُ
‏تصفو الحياة لنا فهذا بلبلٌ/يشدو وهذي في الفلاةِ غزالُ
‏نغفو ونصحو والسعادة حولنا/
‏إنّ الطّفولةَ رِقّةٌ وجمالُ ..!

وجدد مثل ذلك المجلس العلمي دورة السعادة الروحية في جسومنا، وأحسسنا بالطرب الرائق، والدفء البالغ ، مصداق النص القرآني( ألا بذكر الله تطمئن القلوب )سورة الرعد .

وربما صار المجلس في المكتبة في حي الضرس وزيد عليه بشيء من الإفطار، وانتقل بعدها لجامع أبي بكر بالبلد، ثم مسجد التقوى وظل سنوات، ننهل مناهل باهية، إلى أن أُعلنت الدروس، ونهض القوم، و(شبّ عمرو عن الطوق)، وبات كلٌ في شغل، وتزوج بعضهم، وتخرجوا من الجامعات، وانقضت تلك المدة بحلوها ومرها ..!

ولكنها لحظات رائعات لا تنتسى، وساعات متباهية لا تذبل ولا تموت...!

ويحاول استعادتها مع أجيال جديدة، وإن كانت تغيرت الأفكار والوسائل، وضخت التقنية والعمران الحديث أعاجيب حياتية، تعسر محاولة فهم الآخرين، ..!وبرغم كل ذلك تبقى للمجالس العلمية روحها ولذتها ورواؤها، ومع التطورات الحاسوبية والتعليم عن بعد، إلا أن التلاقي المباشر لايزال متطلبا لغرس المفاهيم الأخلاقية والاقتدائية، ولا يمكن الاستغناء عن المساجد وأنوارها، والجامعات ودروسها، وتظهر فئات متطلعة لكل ذلك ، وعلينا أن نتطور ونحترم الجديد، ولكن لا ننصهر، ونضيع قيمنا وتراثنا الثابت الرصين،،، والله ولي التوفيق.

١٤٣٩/٩/٦

 0  0  176
التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:39 مساءً الإثنين 4 شوال 1439 / 18 يونيو 2018.