• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 01:22 مساءً , الخميس 7 شوال 1439 / 21 يونيو 2018 | آخر تحديث: 10-07-1439

د. حمزة فايع الفتحي

حنايا قلم (٣٣ )عزبة المتدينين..!

د. حمزة فايع الفتحي

 0  0  482
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
حنايا قلم(٣٣) عزبة المتدينين...!

وتذهب به الذاكرة مذاهب المسافرين الباحثين عن ظلال الراحة والأنس، فتلوح له مساكن العزاب، وتجمعات الشباب الأغرار ، وقد زقزقت أطيارها، ورنّت مباسمها، ولاحت ألوانها، فينزل وهادها، ويشم حدائقها، ويرنو في أفيائها...
وكان من محددات الاستقامة الباسقات، وآثارها اليانعات تخير الصديق ، واصطفاء الزميل المورق إيمانا، والصاحب المنعش فكرا وتدينا( والمرء على دين خليله ) كما صح الحديث عن النبي المختار صلى الله عليه وسلم، وحينما صعدوا أبها، تلقفهم المتدينون، وأخذوهم المطاوعة لوضعهم وبرامجهم والتي من أدبياتها، أن لا تماشي من لا يصلح، وفيه تقصير متعد، أو ذو خلق سيئ خطاف ....
وحذارِ حذارِ من صحبة سيئة، أو عصبة متراخية أو فوضوية، لا ترفع بالعلم أو الوقت رأسا..! فأنت في الصداقة بين ( بائع المسك ونافخ الكير )...
وأيضا زملاؤهم حينما لحَظوا التوجه، بدأوا التباعد، ويتهمونهم بالتشدد، والتضييق المعيشي والترفيهي، حتى وسوسوا لكل من ساكنهم، أنك محروم من كل لذة ، حتى قيل:
متدينون إذا تُساكنُ بعضَهم/ حطّوا بكم في شدة ونكالِ
وتُرى زهادةُ عيشِهم ولباسِهم/ لكأنهم في عالم الأدغالِ...!

فكان من الطبيعي له أن ينضم لقوافل المتدربين على الاستقامة والضبط الأخلاقي والزمني، لا سيما والتوجه شرعي، والتخصص الجامعي، ولفيف الأصدقاء من مقومات ذاك التوجه،،،
ولجوا الإسكان الجامعي في (عمارة اليحيا ) وهنالك اعتنى بهم الشيخ الداعية الفاضل عبدالله فلقي أبو عبد الرحمن ذو الخلق العجيب والشهامة النادرة، متسم بالبسمة الرائقة، والنفسية الجذابة للشباب، ذو طرفة ولطف، ويصدق فيه ممن يوزع حلوى الاستقامة بلا حسبان، ورتب له مع مجموعة متدينة السكن واللقاء والتوجيهات المطلوبة، وحاول أصدقاؤه السابقون ورفقاء الثانوي جذبه ولكن، تغير التوجه، وحصل الميل، وتولدت رغبات العلم والتدين والمسار الحديث، واستشعر هو داخليا أنه لابد وقد توجه لأصول الدين، أن يراعي حرمته، ويحفظ ذمته، ويعالج كبوته،،،!
فانبتت الصلاتُ القديمة، وانطلق لمعارف وأصدقاء ومعالم مختلفة، وتحمل كل الجاذبية والقناعة والإغراء....!
ثم لم يلبث أن غادر الإسكان بسبب تعقيداته كما تقدم في مقال سابق، واستنشق عبَق زهرات الحرية وفي حي الوردتين وقريبا مِن الشيخ الداعية الشهير أحمد الضبعان حفظه الله، وهنالك حُمدت المسالك والمعارف والمكارم....
فيا لله كم خلق تعلّموه، وكم شهامة أحرزوها، وكم مكانز جمعوها..!
وقبلها جاوروا الشيخ عبيدالله الأفغاني رحمه الله، وكبيرهم في العزبة الأخ الفاضل الشيخ أحمد حمدان الشهري، وهو الذي رُشح معيدا بعد ذلك في قسم القرآن، ولكنه آثر الانسحاب والتفرغ للأعمال الحرة، كالطب النبوي وفتح عليه في ذلك عبر منتجه المقدم ( الأشفية السبعة )، فتولى أمرهم ترتيبا وتنظيما،،،!
ومكثوا فصلا دراسياً في جوار الشيخ الأفغاني، ثم ارتحلوا بعدها لحي الوردتين ، وهنالك تجاورت عدة شقق من أبناء تهامة، وكان الشيخ أحمد ماسكا زمام الأمور، وقد تخرج الشيخ عبدالله فلقي، ولم يبق إلا هو، ثم تزوج هو وبات يتردد على تهامة مع الأخ الفاضل أحمد وُحيش الشهري وهو مدير المكتب التعاوني في ثلوث المنظر حاليا، ولم نبقَ إلا أفرادا معدودين، وتجاورهم عزبة أخرى بينهم صلات ومزاح وهم أصدقاء الأخ الكريم إبراهيم عبد القادر الحفظي ، ثم غادروا،،، أظن بعد سنة، وآلت شقتهم إلينا، فاجتمعنا فيها قرابة السبعة أو ثمانية أشخاص، ويذكر أنه كان في المستوى الثالث تقريبا، وقد صلُب عوده، واتسع فكره، آلت الزعامة للعزبة إليه، ومن الأصدقاء والطلاب يذكر :
- الأستاذ أحمد علي مانع،، ويذكر صعودهم الدائم بالكراسيدا القديمة وطرافتها غير المنتهية، ولازالت صداقته إلى هذه الأيام.
- الأخ أحمد حسن آل عامر، وهو دكتور وزميل في الجامعة حاليا في فرع تهامة .
- الأستاذ محمد الحسين فلقي، منعش الشقة بآرائه ومفاجآءته، وهو مشرف تربوي الآن في إدارة التعليم بمحايل .
- الأستاذ عبده عايض عسيري، وقد درسه وهو معه في الشقة، والآن معلم متقاعد.
- الأستاذ علي العذري، ولازال في التعليم الآن.
- الأستاذ محمد المشايخ، ممرض سكن معهم لاحقا
- الأستاذ علي محمد مغبش، تخرج من الجامعة ثم انتقل للرياض، وتفرغ بعدها للأعمال التجارية...
- الأستاذ معدي إدريس، معلم سكن معهم ليواصل دراسته تقريبا،،،،!
- الأستاذ هادي الحسين السيد، تلميذنا وجارنا القديم، وهو معلم قدير هذه الأيام في إحدى الثانويات.
- ومنهم أناس سكنوا معهم مدة يسيرة، كالأخ الفاضل عمر محمد عمر، ولكن العلاقة به كانت به جيدة، ويحضر كثيرا من دروسنا، وتوثقت في المستويات الاخيرة فكرا وتوجها، ولا زال عميق الصلات إلى هذه الساعات، وبينهم وشائج ود وفكر وتوجه،،،! ويصدق فيه المثل: ( ربَّ أخٍ لك لم تلِده أمك ).
وكانت شقتهم مكشوفة للعيان وكل من أحب زيارتهم أو لديه شغل في أبها زارهم واستعان بهم، وشبهها بعض إخواننا ( بالفندق ) الأخوي، ويأخذها البعض في الإجازات كنصف السنة إجماما واستمتاعا...!
وألّف الله تعالى بينهم برغم ازدحامهم وضيق الغرف الثلاث، وبات العبد الفقير مسؤولهم وقائدهم المنظم لهم، وأحس بعبء ذلك ورهَقه، ولكن لم يكن ثمة فرصة للهرب أو الفرار،،،! وجرت العادة بلقاء أسبوعي إيماني إجباري، يتناول القرآن والسيرة وبعض الفوائد المتفرقة،..!
وصلاة الفجر أساسية والمتخلف متهم في تصور الجميع ، أو لا يستطيع مواصلة السكنى معهم.
وزاد أخوكم جلسة بعد الفجر يوما واحدا أظنه الثلاثاء، يقرأ كل امريء منهم صفحة واحدة من القرآن، ثم مطالعة قدر الصفحة في (مختصر مدارج السالكين) لراقمه، وقد انتفع الجل بعده بالمطالعة، وكان لها أعظم الأثر على الشباب...
وأيام النشاط يواظبون على درس أسبوعي كالشيخ عايض أو سعيد أو الحجري وفقهم الله، وكانت كالغذاء الإيماني الذي لا يستغنى عنه، لا سيما لقليلي القراءة والتعاهد..
وأما الغذاء الجسدي، فالمطاعم مجهزة، والفِرقة حاضرة، وكل يوم على إنسان، وفي بعض الأحياء جاورنا بعض زملائنا من الطباخين المهرة، فأشاروا بالاقتصاد والاعتماد على النفس، فجاء أحدهم وهو الأخ الأستاذ أحمد مخواني وعلمهم طريقة الطهي، وشرح ووضح، ثم وفروا كل المطلوبات المطبخية، فحضر دور أخيكم،،،، فَنَسِي الطريق المعنية، وانصرف من الكلية باكرا، وفي طريقه مسلخ الدجاج، فاشترى اثنتين، وبدأ العمل، فألقى كل المطلوب دفعة واحدة،،،! وانتظر الجميع نضوج الطبخة، وقد وصلوا جوعى، وفي أجواء باردة ، فإذا هي أقل من أتعابها، ولم ينضج سوى الأرز،،،،! وتضاحك الجميع، فأقسم لهم أول مرة وآخر مرة،،،! وأنه إذا حضر دوره، اشترى لهم من المطعم البخاري كالعادة الشبابية، ولم يعد مرة أخرى طيلة سني الجامعة،،،هههههه....
وكانت شقق المتدينين تدار غالبا بالنظام، وهو من آثار الاستقامة، فيمنع مثلا السهر المتأخر، ولابد من العودة مبكرا، فيغلق الباب من التاسعة والنصف، إلا أن يستأذن بعضهم، وقد تأخر اثنان ليلة فلم يفتح لهم الباب، وناموا في بعض الشقق المغروسة، ويعد ذاك من الحزم وحسن الإدارة، وقيل لهم في اليوم التالي: هذا مبلغ الغرفة ولا تكرراها، فأبيا، ورأيا أن الجزاء في محله، ولم يأخذا شيئا،،،!
وبرغم ما في ذلك من الصرامة إلا أن المرحلة كانت تستدعي مثل ذلك، والمناخ العام يعده حزما وضبطا وحرصا على صغار الشباب...!
وقد ضاق بعض إخوانهم من ذاك الحزم نظاما وعلما وحبا للكتب، فآثروا الإقصاء والانزواء على أنفسهم، حتى تجمعوا هم أماكن شتى....!
وشققهم طبعا بلا تلفاز ولا ملهيات، ويشع منها الجد والانتظام ومكارم الأخلاق، والجدول الإيماني دستور الاجتماع السكني...!
وكذا هي المعالم تلك الحقبة، ولا يجرؤ شاب على المخالفة والمنابذة، أو يلتمس لهم خِلاناً آخرين،..! وجل الآباء يحبون مع المطاوعة وتربيتهم والحمد لله تعالى...
ومع غراس الجامعة وإيحاءاتها، كانت الشقق تغرس وتربي، وتصنع وتؤهل، لا سيما إذا أُديرت إدارة حسناء، وكانت على نهج قويم، وصراط مستقيم .
ويذكر أنه- لإبراز التنافس الشريف- وُضع لهم جدول بياني رمزي يتناول الصلاة والوقت والالتزام والنظافة، وأشياء أخر، وتوضع لها علامات، أو دائرة حمراء، وكانت محل احتفاء الجميع واهتمامهم...
وكان من يزورهم من شقق أخرى يعجب من تلك الدقة والمحاسبة، وهي مرحلة قد انقضت وذهبت بخيرها وشرها، ولكن من شهدها من الأحبة وقد صاروا أساتذة رجالا، يثنون عليها، ويذكرون أثرها عليهم....
وكان فيهم من يقوم الليل، وساعات يتفقون على قيام جماعي بدون اعتياد، ولما استنكره بعضهم جئ لهم بفتوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فسكت ولم يحر جوابا،،، قال ( فلو أن قوما اجتمعوا بعض الليالي على صلاة تطوع من غير أن يتخذوا ذلك عادة راتبة، تشبه السنة الراتبة لم يكره،*لكن اتخاذه عادة دائرة بدوران الأوقات مكروه، لما فيه من تغيير الشريعة، وتشبيه غير المشروع بالمشروع )انظر مجموع الفتوى .
وكان الهدف تربيتهم على الطاعة ومحبة القيام، والتي قال الله فيها( تتجافى جنوبُهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ) وقال الحسن البصري رحمه الله عن إشراقة وجوههم ( خلوا بنور الله فأكسبهم نورا من نوره ).
ولا زالت مساكن العزاببمفاجوعجائب، نعود مرة أخرى،،، واشتهر عن بعضها المزاح الكثير، ولكن حرص هو ومن معه على الانضباط والجد، وتلمس الفوائد، وكانت شقق المطاوعة أهون بكثير من غيرها المتوسعة في المزاح واللغط إلى درجة خوف الجيران منهم، ولم يحصل لهم مثل ذلك بحمد الله تعالى... والسلام...!
١٤٣٩/٥/٢٩

 0  0  482
التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 01:22 مساءً الخميس 7 شوال 1439 / 21 يونيو 2018.