• ×
  • دخول
  • تسجيل
  • 03:52 صباحًا , الإثنين 14 محرم 1440 / 24 سبتمبر 2018 | آخر تحديث: 01-14-1440

د. حمزة فايع الفتحي

حنايا قلم(٢٧) لقاء السبت الأبهَج...!

د. حمزة فايع الفتحي

 0  0  5.7K
زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
لم تكن (أبها) إلا عروسا وارفة الظلال، طيبة الخصال، ملبدة بالضباب والرضاب، ومجالس الأحبةِ والصحاب، يقصدها الناس من كل مكان، وازدانت بروائع وبدائع ومزارع،...
رمى أبها الجمالُ فصار منها// كملبوس الثياب على العروسِ
تُفيضُ منائرا وتفيض حُسنا// فيا للهِ من طيب أنيسِ

وكان فيها إبان الصحوة الإسلامية حراك دعوي متدفق، ويزينه الشيخ الأديب الأريب عايض القرني حفظه الله، ودرسه السبتي المتكرر، والمتنوع ما بين سيرة وتراجم وسنة وتفسير ووعظ وترقيق، وأدب وطرافة،،،! في جامع أبي بكر الصديق،
ومع تلكم الصفات جذَب الجماهير وسحر الأنام، واستجلب الشباب والشيب، وكان درسا نورانيا مؤثرا، كتب الله له القبول والانتشار، والذيوع المحلي والمناطقي، وبات رمزا على سعة الصحوة وتمددها....
ولم يكن لطالب علم أو شاب متدين أن يفوت وجبة السبت الإيمانية وزادها الروحاني الخالد، ودررها العلمية الزاهية،،،،!
فيتواعد الشباب، وتحضر السيارات من كل مكان، وكان هو من المتابعين والمحتشدين كل سبت ومع المتلهفين والراغبين،،، !
وللشيخ إيقاع دعوي يبتدئ بالهدوء والرزانة ثم سرعان ما ينتفض، فيأخذ بمجامع القلوب، فتنتفض الأرواح معه....
يخلط الوعظ بالشعر، والعلم بالفكر، والسيرة بالطرفة، والفقه بالتراجم، والآثار بالعجائب والأخبار ....
وكل محاضرة للشيخ عايض تقصدها الجموع، ويتداعى لها الشباب وكان مثل ذلك صداعا لأرباب الشهوات والمجون ومن ينوي تغريب البلاد والشباب، فاستطاعت الصحوة الإسلامية بتوهجها ودفقها الذهبي إجهاض المشروع التغريبي والحداثي، وباتوا منعزلين وبلا جمهور ولا تأثير، إلا مناوشات محدودة،،،،!
وأضحى الشيخ يجوب المملكة ناصحا وواعظا وشارحا، ورافقه زملاء آخرون دعوة وهما وفكراً، حتى تشكلت منظومة الدعوة،،،،!
وكان درس السبت من معالمها الباهرة ومحركاتها الدافعة،،،!
وانبهرت بعض المناطق البعيدة من طرحه، وحضروا مندهشين ليروه وطلابه، وكيف تميزت الجنوب بدعاة مؤثرين، في ظل تقلص المدارس العلمية تلك المدة..!
ولسان حالهم:
أذي عسيرُ وذي الأمجاد والذهبُ/ الله اكبرُ وانهلت بها نُجبُ

وقد دعمه سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله وشجعه تشجيعا بليغا،،،،
وكان صاحبكم مواظبا عليه لا يكاد يتخلف، ويذكره من عام(١٤١٠) هجريا تقريبا ...
ويذكر المحاضرة الطريفة الأفكار، الضاربة في البلاد( أمريكا التي رأيت ) والتي حضرتها جموع غفيرة... والتي كُتب إعلانها ملونا،، وتقريبا لأول مرة،،،،، لعظمة الحدث، وجاذبية العنوان،وقد انقطع درس الشيخ قبلها وغاب شهرا أظن، ثم عاد محمّلا بتجربة دعوية مشحونة بالفوائد والطرائف ،،،، فوقعت الزحمة، وعظمت المنة، ولمعت الكلمة ، وتضوّعت أبها مسكا وعودا وعنبرا... وانتشر ذلك الشريط انتشارا مذهلا....
ولما تأهب للعلم ودرسه، والمعرفه وتحصيلها والكتب وجمعها،،،، صار يحضر للشيخ بكراسته ويقيد روائع الحكم والفوائد والشوارد،،،وللمتعة الإيمانية والتزود الروحي، وعزة نظيره ، كان التجمع على أشده، والحضور في أوجه، وفي بعض الأزمنة يُغلق الشارع في حي المنهل، وتحضر سيارات التنظيم المروري مبكرا،،،.! وتحس أن لذلك الحي معلَما وطعما،،،!
وكان الشيخ وفقه الله يجتهد تحضيرا وإعدادا، ويتزين معلومةً واختيارا، وينوع الأحاديث، ويخاطب كل الفئات،... وللشباب بكل تأكيد الحظ الأوفر ، وانقطاعه كان قليلا ....
ولكنه كان حدَثا بحد ذاته، وأسهم في المجال التربوي والدعوي بدرجة خاصة...!
وقد استفاد كغيره من جيل الشباب تلك المدة من الشيخ، وكاد أن يدرسه في الكلية في المستوى الثالث، حيث درس زملاءه في قسم القرآن،،،،ولكنه كان يسأله بكثرة ويطارده في الممرات، مستفيدا من علمه، لا سيما الحكم على الأحاديث والآثار المنقولة،،،!
وحضر له فصلا دراسيا قبل أزمة الخليج في (شرح المسند) بعد صلاة الفجر في مسجد الثلاثاء كما يقال له آنذاك....
واستمتع استمتاعا فريدا، ولم يكن ينزل آخر الأسبوع مدة،.. على عادة الناس...! واستنكر أهله ومحبوه، وقد خلا السكن الجامعي من أكثر الطلاب فقال بيتا شعريا لما عاتبه بعضهم :
عشتُ وحيدا في ليالي السرمدي/ نلتُ الأماني في رياض المسندِ
وكان الكتَاب المعتمد بلوغ الأماني بأسرار الفتح الرباني للشيخ البنّا الساعاتي رحمه الله،،، يعلق عليه الشيخ بطريقته المنوعة الملونة اللطيفة، والتي تجعل الشرح ذا فنون متعددة، تأسر المستمع والعابر،،،!
وذاك من الذكريات التي حُفرت في الذاكرة ويصعب نسيانها، وقد كان الجو شاتيا، والملابس ثقيلة، ولكن حب العلم والاستمتاع المعرفي غلب كل ذلك، وكان الانصراف بعد طلوع الشمس ويبقى عدد من الشباب ليس هينا، ويصلي أكثرهم ركعتي الإشراق وهم في بهاء ومنَعة ومتعة....
ولم يكن الشيخ في درسه مجرد واعظ، كما يهمز بعض الناس، ولكنه كان عالما موسوعيا متفننا، يضرب في كل فن بسهم -وليس بمعصوم- واستفاد منه كثيرون وتخرج عليه أجلة، ونشاطه الدعوي والعلمي دفاقاً ودائبا، ويزينه بالطرافة وسرعة البديهة في المزاح وتقريب المعلومة، وهو ما لا تجده في كثير من المشايخ تلك الفترة ،،،،! ولديه القدرة في ترقيقك وتخويفك،،،، ثم لا يلبث أن يضحكك بعد ساعة من الزمن،،،،.
وهذا مما حبّب الناس إليه، وحينما وقعت المحنة وبرأه الله ازداد تعلق الناس به وبدروسه، ومكث مدة، إلى أن جاء الفرج من الله، وقبلها ألقى محاضرة ( الابتلاء ) الذائعة الصيت والأثر ، واستُدعي إلى الرياض وألقى في جامع الملك خالد بأم الحمام محاضرة( قل هذه سبيلي ) في غاية الروعة والبهاء،،،، وحضرها أكثر من عشرين ألفا ، كما قال الحاضرون والراصدون، الذين قدموا من أماكن شتى، وأذكر قال لنا بعض الشيوخ الذين حضروا المركز الصيفي تلك الفترة: أنهم استمعوا المحاضرة من السيارة على المكبرات الخارجية، ولم يستطع النزول من اكتظاظ الأعداد، ولله الحمد والمنة،،،،.
والتهب الشيخ فيها التهابا وتأثر تأثرا.....
ومع المزح المزجى، والثناء المهدى لمرحلة دعوية معروفة، لا نزكي أحدا من الخطأ، ويعتقد العاقل أنها تجربة بشرية نالتها بعض المآخذ ، ولا ينفك من ذاك بشر، وقد تحدثت عنها أقلام، وحللتها أعلام والله الموفق .
ومع لقاء السبت كان ثمة دروس أخرى وأنشطة لبعض الفضلاء كالشيخ سعد الحجري والشيخ أحمد بن حسن والدكتور جبريل البصيلي عضو الهيئة حاليا والدكتور عبد الرحمن علوش وآخرين،،، شكر الله جهدهم، وقد حضر ما تيسر منها...
وإذا قل تقصيرك العبادي فلا يقل حضورك المحاضرات، وارتشافك من معين الدروس الربانية المؤثرة، والتي تمنح صاحبها ورائدها عطاءً إيمانيا وفكريا ومعرفيا، لا سيما إذا ظفر بمتحدث ماهر جيد ،،،،! ويذكر على كبر أن معلما فاضلا ساله عن قسوة القلب: فقال له: كيف القرآن فقال: مقصرين،،،، والدروس والمحاضرات ،،، فكرر نحوا من السابق،،،،! فقال: هو كذلك اذهب فقد أفتيت نفسك،،، كما هو جواب بعض السلف ....!
وبالتالي لأهمية الدرس كان التوافد من السراة وتهامة وأنحائها ، وليس للناس من مورد سواه...!
أتينا أتينا للزلال وللندى/ فلم نلقَ إلا عايضَ الوعظِ والهدى
سمعنا وأطربنا السماعُ وزهرُه/ فللهِ هذا الأمر كيف تمددا
وتُحشَدُ آنامٌ لخير حديقةٍ/ وفيها صنوفُ الطيبِ بات مغردا

وأسهمت تلك الدروس في ضبط الشباب، وتثبيتهم وصونهم من الفتن ما ظهر منها وما بطن، ووعت على منابع العلم الشرعي، وحذرت من الشهوات، وانتشلت فيالق من الشباب من الانحراف الأخلاقي والفكري ، وعمقت قضايا الهوية والانتماء الإسلامي ، وزادت من وعي الجيل خلافا لما يردده خصومها، الذين ما برحوا خصوما لها تاريخيا وفكريا، ويحاولون زجها في خندق الضحالة والتخلف،،،،، ولكن كما قال القائل :
وإذا أتتك مذمتي من حاسد //فهي الشهادةُ لي بأني كاملُ
ولا نسلم المسار الدعوي آنذاك من الأخطاء والتجاوزات... ولكن الخيرات غالبة، والحسنات غزيرة تستوعب كل خطأ وزلة كما قال أيضا :
فإن يكن الفعلُ الذي ساء واحداً// فأفعالُه اللاتي سَرَرن ألوفُ
أكرمنا الله جميعا بحسن طاعته، والله الموفق....
ومضة/ المحاضرات لا تضيف علما فحسب، با تمنحك ثباتا أيضا...!
١٤٣٩/١/١

 0  0  5.7K
التعليقات ( 0 )

للمشاركة والمتابعة.

جديد المقالات

أكثر

القوالب التكميلية للمقالات

يمكنكم التواصل معنا عبر البريد الرسمي للصحيفة : [ mohyl1@hotmail.com ] أو من خلال نموذج الخاص بالمراسلة بـ ( الضغط هنـا )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 03:52 صباحًا الإثنين 14 محرم 1440 / 24 سبتمبر 2018.